حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

46

شاهنامه ( الشاهنامه )

علم فريدون بقتل إيرج نعم وكان أفريدون ينتظر طلوع رايات ولده ، ويعدّ الليالي والأيام دون أوبته . فلما قرب الوقت الذي عينوه لقدومه أمر العساكر بالركوب لاستقباله . وكانوا كل صبيحة يركبون ويترقبون طلوع الهلال الزاهر ، ويطمحون نحو الطريق بالنواظر . فطلع راكب على جمل يشق الأرض ويثير النقع ، وبين يديه صندوق مغشى بالديباج والحرير . فلما قرب من كوكب السلطان شق جيبه ، ورفع بالعويل والنحيب صوته ، ونعي اليه ولده الذي انتظر مقدمه . فلما سمع ذلك خر من مركوبه إلى الأرض ، وحثا التراب على مفرق كان يأنف من المسك السحيق ، والعنبر الفتيق ، ورفع صوته بالزنين والشهيق ، يقبض أثناء الحشا كمدا بإحدى يديه ، ويسمح بالأخرى سبيل الدماء عن عينيه . ولم يبق أحد من أعيان الأمراء وأركان الدولة إلا وهو حاف حاسر بين يديه . فرفعوا ذلك التابوت وأدخلوه الإيوان ، وأمر بهدم دار إيرج ، وإحراق بستانه ، وجلس للغزاء على عادة الفرس ، وبكى حتى نبت العشب حواليه من فيض دموعه . ثم كيف بصره ، وكان لا يزال يتضرع إلى اللّه تعالى ويبتهل اليه ويسأله أن ينتقم له من الفاتكين بولده السافكين لدمه . ولادة ابنة لإيرج وكانت له جارية خلف الستر حاملة من إيرج . فولدت بتنا فكان يربيها حتى ترعرعت فزوّجها من ابن أخيه بشَنج . ولادة منوجهر من ابنة إيرج وسرور فريدون به فولدت مِنوجهر . فلما أخبر بذلك أفريدون سُرّى عنه بعض همومه وسربه . فكان يربيه أحسن تربية ويعلمه آداب الملوك أحسن تعليم . فرد اللّه تعالى عليه بصره . فلما رأى وجه منوجهر بشرته أسارير وجهه ، وخايل سعادته ، ببلوغ الأوطار ، وإدراك الثار . فترعرع الشاب في أقرب زمان وأسرع أوان . حتى كان يطاول الأرواح برشاقة قده ، ويضارع الآساد بقوّة بأسه . فأمر أفريدون بإفاضة الأموال عليه ، وتمكينه من الخزائن العتيقة ، والجواهر الدفينة ، واجتمع عليه جميع العساكر . فحدّثته نفسه بالنهوض والتشمر لطلب الثار والتشفي من الظلمة الفجار . فطن العالم بذلك سماع سلم وتور بمنوچهر وقامت القيامة على سلم وأخيه . فأخذا في ضرب الآراء ، واستمالة الأهواء ، والتشمر ليوم اللقاء . إرسال الابنين رسالة إلى فريدون فأنهضا رسولا إلى أفريدون وكتبا اليه متنصلين عما جرى على أيديهما من القضاء المقدور ، والأمر المحتوم . فلما وصل الرسول أمر بإحضار العساكر والجحافل ، وجلس في صدر الإيوان ، وأقعد منوجهر على سرير من العاج ، واصطفت على رأسه الأمراء والقوّاد . فخرج سابور من السرادق وأخذ بيد الرسول وأدخله عليه . فلما رآه خر ساجدا يعفر خدّه في التراب . ثم رفع رأسه ، وافتتح كلامه بالاعتذار والاستغفار لصاحبيه حتى أدّى الرسالة . إجابة فريدون رسالة ابنيه فأجابه أفريدون بوعيد يتضعضع دونه الجبال .