حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
36
شاهنامه ( الشاهنامه )
جواد كالريح المرسلة وطار إلى حضرة الضحاك . فلما وصل إلى مخيمه استأذن عليه . فأنكر قدومه . فأخبره بصورة الحال ، وأعلمه أن أفريدون هجم على إيوانه فتوغله ، وقتل حشمه وخوله ، واستبد بتلك الذخائر والرغائب ، واستمتع بالحظايا الخرد الكواعب ، وأطاعه أهل المدينة ، وصفت له المملكة بلا منازع ولا مدافع . تقييد فريدون الضحاك فلما سمع الضحاك ذلك احترق تغيظا ، وتنفس مستشيط ، وأمر فنودي في عسكره بالارتحال ، ونهض متوجها نحو بيت المقدس كالسيل المتلاطم ، والليل المتراكم . فلم يحس القوم إلا بطلائع الخيل . متتابعين ، وسرعان الجيش متواصلين ، تقدم مواكب تسدّ السكاك بالعجاج ، وتموج كالبحر المتدافع الأمواج . وأمامهم الضحاك كالتنين الصائل ، والأفعوان الهائل . فلما قربوا من سور المدينة قام أهلها في وجوههم ، ودفعوا في نحورهم ، وأمطروا عليهم عن اليمين والشمال شآبيب النبال ، ينادون بشعار أفريدون ، وبظل أمانه يستعيذون . فأخذه الداء العضال لاستعصائهم وممالأتهم عدوّه عليه . وبات يتلوى حنقا ، ويتقلقل أرقا ، ويحترق بنار الغيرة ، غريقا بين أمواج الحيرة . حيث رأى بعينيه تلك الخرائد الأبكار ، والعرائس الأتراب ، في طارمه المنضد بالوشائع والدبابيج ، وعلى سريره المرصع بالجواهر واليواقيت ، بين يدي عدوّه أفريدون وهو الهادم مباني ملكه ، والمنكس راية دولته . فحملته الحمية الجاهلية على أن خرج مدججا شاكي السلاح لا يعرف ، وأخذ وهقا في طول ستين ذراعا ، فجاء إلى عقر قصره وعلق الوهق على بعض الشرفات ، وتوقل حتى صعد القصر على غفلة من الحراس . واطلع من أعلى الإيوان على أفريدون قاعد على بعض الأرائك مع إحدى زوجتيه . فلما رأى ذلك علق الوهق ، وانحط كالقضاء من السماء ، والعُقاب ، من العِقاب ، في يده حربة كشواظ من نار فلما رآه أفريدون أهوى بيده إلى الجزر فرفعه ، ثم فرفعه ، ثم الصاعقة على رأسه ، فتشظت البيضة عليه ، وهم ّ أفريدون بقطع وريديه . فَمثل ملَك بين يديه وقال إن اللّه ، قد أنسأ في أجل هذا الثعبان ، وأمر بتعذيبه طوال الزمان . فشُدّ وثاقه ، وضيق عليه خناقه . فإذا وصلت إلى جبل دُنباوَند فاحبسه فيه . فأخذ سيرا من جلد الأسد مريراقويا ، وجمع به أطرافه في عقدة لا يذكر عاقدها