حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

32

شاهنامه ( الشاهنامه )

في ولادة أفريدون وولد أفريدون في تلك السنة . ولما وضعته أمه نظرت اليه فرأت في وجهه مخايل السعادة واضحة ، وأمارات الملك فيه لائحة . فكانت تربيه أحسن تربية ، وتؤدّبه أحسن تأديب وهو ينمو نموّ الهلال ، متسربلا بفضفاض الجمال . فاتفق أن أباه أخذ وقتل في جملة من قتل بأمر الضحاك . ففزعت أمه عليه ، وأو جست في نفسها خيفة من الملك وشره . وكانت تسمى مانك وهي موصوفة بالعقل . فحملت أفريدون وهربت به إلى بعض المروج التي ترعى فيها البقر والغنم . وكان راعي المواشي في ذلك المرج رجلا صالحا . فسلمت ابنها اليه ، وقالت هذا صبي يتيم ، ولا آمن عليه من شر هذا الملك . وإني آويت به إلى ظل أمانك حتى تكفله وتربيه إلى أن يراهق . وتغذوه بلبن هذه البقرة . وكانت بقرة خلقها اللّه على لون يسر الناظرين ، ويعجب الخلائق أجمعين . فكفله الراعي واتخذه ولدا ، ولم يزل يغذوه بلبن تلك البقرة ويشفق عليه ، ويميل اليه . فجاءت أمه بعد ثلاث سنين إلى ذلك المرج ، واعتذرت إلى الشيخ الصالح ، وقالت له ان شر هذا الظالم قد تفاقم ، ولا آمن على هذا الصبى من بأسه . وقد عزمت على أن أحمله إلى بلاد الهند ، وآوى به بعض الجبال ، فلعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا ، ويريح من هذه الدولة . فأخذت أفريدون وتوجهت نحو بلاد الهند . فبلغ الخبر إلى الضحاك . وجاء إلى ذلك المرج ، وقتل الراعي ، ونهب المواشي ، وأحرق أيضا دار أفريدون وقصر أبيه . ثم إن أمه مانَك لما قربت من أرض الهند صعدت إلى جبل عظيم . وكان عليه راهب يعبد اللّه فسلمت عليه ، وأجهشت بالبكاء اليه . وأطلعته على أنها أرملة قتل زوجها الضحاك . وما لها من الدنيا غير هذا الولد . وقد خرجت به من بلد الظلم هاربة اليه ، وأن الضحاك يرصده بالغوائل ، ويطلبه بين سمع الأرض وبصرها . وقد فرّق أصحابه في طلبه . وقالت أنى قد تمسكت بذيل أمانك ، وجئت به إليك . وأرجو أن تحنو عليه بعاطفتك ، وتتخذه ولدا يكون قوّة لظهرك ، وقرّة لعينك . فان له شأنا عظيما ، وخطبا جسيما . ولا يكون زوال ملك الضحاك إلا على يده وسيظهر ذلك في أقرّب مدّة . فتفرس الراهب فيه ذلك وقبله . ولم يزل يربيه ويعلمه مكارم الأخلاق ويهديه إلى مناهج الخيرات إلى أن نشأ وترعرع .