حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
23
شاهنامه ( الشاهنامه )
يستحدث بناء ويستجد مدينة ويؤثر أثرا حتى طالت على ذلك المدة . ثم تتبع المعادن فاستخرج منها بدقائق فطنته الذهب والفضة والياقوت والفيروزج وسائر الأعلاق النفيسة من أصناف الجواهر ، فرصع بها المناطق ، ووشح منها الأسورة والعصائب ، واقتنى منها الذخائر ، وكنز الكنوز وملأ الخزائن . ثم أخرج أنواع الطيب من مستودعاتها كالمسك والكافور والعنبر . ثم صعد أنوار الورد والأزاهير حتى حصل منها أمواها تتنفس عن روائح تفغم الخياشيم ، وتنعش الأرواح والنفوس . وأظهر علوم الصناعة الطبية وتصرف في أفانينها ، وتقلب في أساليبها ، ووقف على أسرارها الغامضة ، ودقائقها الخفية . وتعرف خواص الأدوية فشاعت هذه الصناعة بين الناس من ذلك الزمان . ثم تفكر في اتخاذ المراكب وإجرائها على وجه الماء طائرة بأجنحة الهواء . فعمل السفن وأطلقها في مضامير البحار كرواكض الخيول ، وهواجم السيول . فلم يزل يتنقل من إقليم إلى إقليم ، ومن صوب إلى صوب ، حتى جاس جميع أطراف البر والبحر . ثم عمل تختا مرصعا بألوان الجواهر ، ورتب له حملة من الجن . فكان يجلس عليه ويرفعونه في الهواء ويحملونه إلى حيثما أراد من الممالك . وكان ذلك أوّل يوم من السنة وقت حلول الشمس في برج الحمل فسمى ذلك اليوم بالنيروز . فجلس في مجلس الأنس للطرب يحيّا بريحان السرور ، وتدار عليهم أقداح الراح في رياض الحبور . فبقى النوروز سنة مشهورة عند الفرس يعظمون شعارها ، ويتبعون آثارها .
--> ولكن جمشيد طغى وشرع يستروح إلى الكذب والباطل ، ففارقه المجد الملكي رئى ذاهبا عنه في صورة طائر . فزلزل ملكه وأذله أعداؤه . وأوّل من خرج عليه أخوه أسفور ( سپتورا ) . وستأتي بعض أخباره في الفصل الآتي . وكذلك نجد عند الهند في « القيدا » أسطورة يما ومنو : وهما تومان أبوهما ققَسقات المتلألئ أي الشمس ، والمتلألئ هو معين شيد بالفارسية في مثل جميشد وخورشيد ( الشمس ) ، ومنو هو المشرع للآريين ، و « يما » إله ، وهو أوّل بشر عظيم اجتاز إلى عالم الآخرة فهو ملك الموتى . وله كلبان أسمران لكل أربعة أعين الخ يذهبان كل يوم ليشما الموتى ويحشراهم إلى ملكهما . وكذلك نجد في الأبستاق الأمر بإحضار كلب موصوف إلى جانب الميت يطرد عنه الشيطان فانظر كيف