الشيخ محمد السند

377

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

وهناك داعٍ آخر تورّط فيه البترية بل عموم الزيديّة وهي أنّ الحكّام على الدوام كانوا يواجهون ثورات العلويين بمكيدة وحيلة ، وهي إحراجهم حول موقفهم من الشيخين كي يربك الوضع عليهم في ساحة المسلمين ، لأنهم إما يتبرؤّون علانية منهما فذلك يوجب اصطفاف جماهير أهل السنة مع السلطة ، وإمّا لا يتبرأ منهما فيضعف موقعيّة الثوار العلويين في جماهير أتباع أهل البيت عليهم السلام . ومن هذا القبيل ما قد احتاله الوالي يوسف بن عمر في مواجهة زيد بن علي من قبل هشام بن عبد الملك حيث أنفذ في صفوف أنصار زيد بالكوفة عندما خرج فدخلوا على زيد وقالوا : ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقال زيد - كما يذكر ذلك ابن عساكر - : رحم اللَّه أبا بكر وعمر صاحبي رسول اللَّه ثم قال : أين كنتم قبل اليوم ؟ « 1 » . وسؤال زيد إشارة منه إلى استنكار عليهم وأنّهم مندسين في صفوفهم من قبل السلطان . والداعي الثالث أنّ روّاد البترية كانوا حريصين على إنهاض جميع الأمّة ضدّ فساد الأنظمة وعلى زعامة تلك النهضة ، ولم يكن يتسنّى لهم ذلك إلّابالمزج بين ولاية أهل البيت عليهم السلام وولاية الشيخين فيتسنّى لهم بذلك الحظوة عند الفريقين . فأخذوا بترويج مثل هذا المنهاج والمذهب . إلّاأنّهم لم يوفقوا في تشييد مثل هذا المنهاج طيلة القرون بل بادوا وانقرضوا . نعم ، يتجدّد كلّ حين من أصحاب هذا الفكر جماعة جديدة إلى يومنا هذا تحمل نفس الملامح وتتّصف بها وبنفس النزعات والغايات وتعود الكرّة لهم بالفشل ، وذلك لما مرّ من التناقض بين منهاج أهل البيت عليهم السلام كمنهاج ربّاني إلهي ومنهاج السقيفة كمنهاج بشري وضعي مادّي .

--> ( 1 ) . تهذيب تاريخ دمشق 6 / 25 .