الشيخ محمد السند

29

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

العقول بفطرياتها الأولية التي تهديها إلى حقائق الأمور والحكمة . فإذا كان هذا هو الشأن الأكبر للأنبياء عليهم السلام والرسل عليهم السلام والأوصياء عليهم السلام فكيف يُعرض عن كلماتهم . ومن ذلك يتبيّن أنّ أحد وجوه حجية القرآن - بل هي من عظام حججه - البيّنات والبراهين المطوية في بيناته لا من جهة قطعية صدوره وسنده . وهكذا الحال في روايات وأحاديث المعارف والحكم والآداب ، فإنّ حجّيتها لا تنحصر من جهة اعتبار صدورها بل لما تتضمّنه من بيانات حكمية وبراهين ودلالات . فالعزوف عنها عزوف عن العلم الإلهي العظيم ومتاركة للنهر الكبير وعكوف على الجداول الراكدة الكدرة بأخطاء البشر ، فلابدّ من التمييز بين الحجّية التعبّدية بما لهم من ولاية الطاعة والانقياد والمتابعة وبين مقامهم كحجّية علمية معرفيّة . وقد روي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه قال لرجل : تمصّون الثماد وتدعون النهر الأعظم ؟ ! فقال له الرجل : ما تعني بهذا يا بن رسول اللَّه ؟ فقال : علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم النبيين بأسره وأوحى اللَّه إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجعله محمد عند علي عليه السلام . فقال الرجل : فعلي عليه السلام أفضل أو بعض الأنبياء ؟ فنظر أبو عبد اللَّه عليه السلام إلى بعض أصحابه فقال : إنّ اللَّه يفتح مسامع من يشاء أقول له إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم جعل ذلك كلّه عند علي عليه السلام فيقول علي أعلم أو بعض الأنبياء ! « 1 » . وقد وصف القرآن الكريم والكتب السماوية بالذكر في عشرات بل مئات الآيات كما وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ذكر أيضاً فقال عز من قائل : « قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ » « 2 » والذكر والتذكّر للأوليات والفطريات في العقل والفطرة الإنسانية هي إثارة ودلالة على الحجة العقلية في الكتاب وخطابات الشرع .

--> ( 1 ) . بصائر الدرجات : 248 . ( 2 ) . الطلاق : 10 و 11 .