الشيخ محمد السند
282
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
صريح في أنّ الكذب هو في إفشاء ما ينبغي كتمانه ، وأنّ استعمال الكذب في هذا المعنى نظير ما في قوله تعالى : « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » « 1 » حيث تبيّن أنّ ما لم يؤذن بإعلانه والتصريح به يكون فرية ، لأنّه تقمّص صلاحية خاصّة في النطق الرسمي وهو ليس بأهل لها ، وإنّما تقمّصها وادّعاها فيكون كاذباً بذلك . كما أنّه صريح في أنّ رؤوس الغلاة غلوّهم هو إفراطهم في الإفشاء والإعلان لما ينبغي كتمانه وإن تأوّله المخالفون بالباطل وبادعاء الألوهية والنبوة . ونظير ذلك ورد في المعلى بن خنيس أنّه قتل وذاق حرّ الحديد لأنّه أذاع سرّهم مع صلاح حاله . وتحذيره عليه السلام مؤمن الطاق عن أن يكون مثل المغيرة وأبي الخطّاب إنّما هو فيما يزجره عليه السلام مراراً عن إذاعة السرّ وإعلان وإفشاء مكتوم علمهم . الخامسة : قوله عليه السلام : إنّ بني إسرائيل قحطوا حتى هلكت المواشي والنسل فدعا اللَّه موسى بن عمران عليه السلام فقال : يا موسى . . . وأنتم قد قرب أمركم فأذعتموه في مجالسكم . وهذه الفقرة من كلامه عليه السلام تؤكّد الجهة الأصلية التي صيغت لها الوصية وهي ما تسبّبه الإذاعة والإفشاء وكشف الأسرار من مخاطر وآثار سلبية تؤدّي إلى النقمة الإلهية والمعاجلة بالحوبة ، كما تشير إليه الآية الكريمة التي أشار عليه السلام إليها في صدر كلامه : « وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ » « 2 » حيث تدل على أنّ هناك من الأمور إذاعتها مما يمسّ بالأمن عموماً ويسبّب وقوع ما يحذر منه . ومثّل عليه السلام لذلك بما وقع في بني إسرائيل عندما أصابهم القحط بسبب المعاصي فدعا نبي اللَّه موسى بن عمران ربّه ليعفو عنهم ذلك فواعده اللَّه تعالى بالإجابة بعد أربعين يوماً ، فقام بنو إسرائيل بإذاعة هذا الوعد الإلهي وهو مما يسبّب الإغراء بأهل المعاصي ويمدّهم في غيّهم ، لأن من يأمن العقوبة يسيء
--> ( 1 ) . يونس : 59 . ( 2 ) . النساء : 83 .