الشيخ محمد السند
265
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
وقد تشدّد عبد اللَّه بن سبأ في نشر روايات الرجعة إلى درجة حاول أرباب الجرح والتعديل والتراجم من أهل السنة أن ينسبوا هذه العقيدة القرآنية إلى عبد اللَّه بن سبأ وأنّه هو الذي أسّسها . فقد ذكر ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق لمّا بويع علي خطب الناس فقام إليه عبد اللَّه بن سبأ فقال : أنت دابّة الأرض قال : فقال اتّق اللَّه فقال : أنت الملك فقال له : اتق اللَّه فقال له : أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق . فأمر بقتله ، فاجتمعت الرافضة وقالت : دعه وأنفه إلى ساباط المدائن « 1 » . ولا يخفى ما في هذا النقل من التدافع فإن توصيف عبد اللَّه بن سبأ بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو دابّة الأرض لا ينسجم مع دعوى التأليه في علي عليه السلام . وقد ورد في طرق أهل البيت بل حتى في طرق العامة أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يخبر أصحابه وخواصّه أنّه المراد من دابّة الأرض في قوله تعالى : « وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ » « 2 » . وهي من مقامات الإمامة ومن أكبر معالم الرجعة ؛ وقد روى الفريقان في شأن الدابّة أنّ معها عصا موسى وخاتم سليمان وأنّها تجلى وجه المؤمن بنور الإيمان وتختم بالخاتم على خرطوم المنافق بالنفاق ، ممّا يشير إلى دور دابّة الأرض في تكامل تخليق طور الإنسان كمالًا أو انطباعاً . وأنّ الأرض تفتح بركاتها بمجيء الدابة فينبسط الرزق للعباد . وهذا المعنى رواه الفريقان وليس فيه نحو من تأليه علي ؛ إلّاأنّ هذه المعاني لما كانت يثقل وعيه عند العامة بشكلها الصحيح تنطبع لديهم أنّها من أفعال الألوهيّة . نعم ، ظاهر رواية ابن عساكر هو ردّ أمير المؤمنين لعبد اللَّه بن سبأ من إضلال الناس بإفشاء ما لا يحتملوه مما يعكس لديهم معاني باطلة بغير ما للمعنى من حقيقة . وهذا هو الشذوذ والشطط الذي وقع فيه عبد اللَّه
--> ( 1 ) . تاريخ مدينة دمشق 29 / 10 . ( 2 ) . النمل / 82 .