الشيخ محمد السند

207

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

الأبحاث العلمية من عمق وسعة وبسط وتبيين ، سواء في المباحث العقلية أو الكلامية أو بحوث التفسير والحديث ، إلّاأنّ جملة من علماء أهل سنة جماعة الخلافة لا يستوضحون العلم اللدنّي في الشخص الذي يختاره اللَّه إماماً لعباده ، كما لا يستوضحون تحديث ملائكة لمريم ولا يستوضحون بسط اللَّه العلم لطالوت وبعثة اللَّه له ملكاً إماماً لا بعثة نبوّة ، ولا إيتاء اللَّه الحكمة للقمان ، ولا تمكين اللَّه عز وجل الأسباب لذي القرنين ، ولا وراثة علم الكتاب لآصف بن برخيا مما يعطيه القدرة التكوينية على جلب عرش بلقيس في لحظة من اليمن إلى فلسطين . فهذه المواقع وغيرها من مناصب الإمامة لا تكاد تجد لها ترجمة في عقائد المذاهب الإسلامية عدا مدرسة ومنهاج أهل البيت عليهم السلام . ومن ثم ترى أنّ النظرة عند علماء المذاهب العامّة إلى مثل هذا الارتباط اللدنّي الغيبي ، أنّ مثل هذه المقامات هي نمط من النبوّة وأنّ القول بثبوتها لأئمة أهل البيت هو غلوّ في توصيفهم بالنبوّة ، رغم أنّ القرآن أكّد أنّ هذه المقامات ثابتة لثلّة من مصطفين غير أنبياء بل أئمة وحجج . فكيف تتوقّع مستوى النظرة عند علماء العامة في القرن الأول والثاني إلى مثل هذه المعارف والأمور ، ومن ثمّ فإنّ الطعن من قبل العامة على جملة من الرواة المتقدّمين بالغلو والقول بالألوهية أو النبوّة في أئمة أهل البيت هو ناشىء من هذه المفارقة والتباين في أسس المعرفة وقصورهم عن إدراك مثل هذه المباحث فبدأ الطعن منهم إلى أن تفشّى في وسط الخاصّة . ومن ذلك أيضاً ما رواه سليم بن قيس من قول عمر لسلمان وأمثاله : إنكم اتخذتم أهل هذا البيت أرباباً من دون اللَّه . وكذلك ما روى من قول هشام بن عبد الملك لبطانته في المسجد الحرام عندما سئل عن احتفاء الناس بالباقر عليه السلام قال : إنّه نبي أهل الكوفة .