الشيخ محمد السند

169

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

تنكره إن شاء اللَّه ولا قوّة إلّاباللَّه والقوّة للَّه‌جميعاً أخبرك أنه من كان يدين بهذه الصفة التي كتبت تسألني عنها فهو عندي مشرك باللَّه تبارك وتعالى بيّن الشرك لا شكّ فيه ، وأخبرك أنّ هذا القول كان من قوم سمعوا ما لم يعقلوه عن أهله ولم يعطوا فهم ذلك ولم يعرفوا حدّ ما سمعوا ، فوضعوا حدود تلك الأشياء مقايسة برأيهم ومنتهى عقولهم ، ولم يضعوها على حدود ما أمروا كذباً وافتراءً على اللَّه ورسوله وجرأة على المعاصي ، فكفى بهذا لهم جهلًا . ولو أنّهم وضعوها على حدودها التي حدّت لهم وقبلوها لم يكن به بأس ، ولكنّهم حرّفوها وتعدّوا الحق وكذّبوا وتهاونوا بأمر اللَّه وطاعته . ولكني أخبرك أنّ اللَّه حدّها بحدودها لئلّا يتعدّى حدودها أحد ، ولو كان الأمر كما ذكروا لعذّر الناس بجهلهم ما لم يعرفوا حدّ ما حدّ لهم ، ولكان المقصّر والمتعدّي حدود اللَّه معذوراً ولكن جعلها حدوداً محدودة لا يتعدّاها إلّا مشرك كافر ، ثم قال : « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » « 1 » . وفي كلامه عليه السلام عدّة من الشواهد على هذا المعنى من الغلو وسابقه الذي ابتلى به بعض تلك الفرق : أولًا : عبّر عليه السلام عنهم بأنهم تعدّوا الحق والحدود في مقابل المقصّرين ، وأنّه كما أنّ هؤلاء غير معذورين فإنّ المقصّر عن معرفة تلك المعارف أيضاً غير معذور . ثانياً : أنّ مقالة هؤلاء أصلها أحاديث سمعوها منهم عليهم السلام إلّاأنهم لم يعقلوا معانيها . ثالثاً : أنّ مقالاتهم لأنّها في الأصل هي معان حرّفت عن الأحاديث المسموعة ، فلها أصل وتفسير صحيح . ومن ثم عبر في صدر كلامه عليه السلام بأنّ ما يذكره تفسير ما هو الأصل الصحيح لهذه المعاني المحرّفة من مقالاتهم ، وأنّ ما هو الأصل التي اتّخذت منه معاني مقالاتهم له وصف حلال يفترق عن الوصف

--> ( 1 ) . بصائر الدرجات ، الجزء العاشر باب 21 ، ح 1 المجلد الثالث ص 500 ، وبحار الأنوار 24 / 287 .