الشيخ محمد السند

164

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

المؤمنين بعذاب الدنيا وهو النار عاجلًا وهي لهم آجلًا ، ويحك يا مفضل إنّ الغالي في محبّتنا نردّه إلينا ويثبت ويستجيب ولا يرجع والمقصّرة تدعوه إلى الإلحاق بنا والإقرار بما فضّلنا اللَّه به فلا يثبت ولا يستجيب ولا يلحق بنا « 1 » . وهذه الرواية صريحة في أنّ الأصل في معاني الغلو الذي ارتكبه الغلاة ليس هو ادعاء الربوبيّة كما ادّعى ذلك جمهور العامة وتفشّى ذلك عند الخاصّة حتى عند المفضّل رغم أنه من كبار رواة المعارف ، وإنما الشطط في جهات أخرى والتطرّف إنما يكون في جهات سنذكرها تباعاً . وتشير الرواية إلى أنّ الغلاة لديهم شطط وانحراف خالفوا فيه تعاليم أهل البيت عليهم السلام وليس شططهم في أصل المعرفة ، كما أنّه يظهر من هذا الحديث أنّ المغيرة بن سعيد وأبا الخطاب وبنان وأمثالهم لم يدّعوا الربوبية في أهل البيت أو الألوهيّة وإنما ارتكبوا شططاً آخراً ممّا سنبيّنه مما استدعى انطباع معنى التأليه والربوبية لدى تيّار الخطابية والمغيريّة فأوجب ضلالهم . وروى في الكافي بإسناده إلى سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : يا بني الكفر على أربع دعائم الفسق والغلو والشك والشبهة . . . والغلو على أربع شعب على التعمّق بالرأي والتنازع فيه والزيغ والشقاق فمن تعمّق لم ينسب إلى الحق ولم يزدد إلّاغرقاً في الغمرات ولم تحتبس عنه فتنة إلّاغشيته أخرى وانخرق ذنبه فهو يهوى في أمر مريج . « 2 » ويشير الحديث إلى أنّ شطط الغلو هو في الانغمار في معمعة التفاصيل والحيرة في تكثّرها وكثرتها ممّا يضيّع على النظر التركيز على أمّهات الحقائق والمسائل التي هي المحكمات فيتشبّث بالمتشابهات الحادثة له من الغور في التفاصيل ، فيعمى عن الأمهات التي هي المحكمات المهيمنة على الحدود والأبواب فيزيغ عنه جادّة الطريق الأصلي ويكثر عليه الشقاق مع الآخرين .

--> ( 1 ) . الهداية الكبرى / 431 - 432 . ( 2 ) .