الشيخ محمد جواد البلاغي
55
الهدى إلى دين المصطفى
فكرر قوله في قصيدة ( ويثرب تعلم ) في صدور أربعة أبيات . وما هو من هذا النحو الكثير . وغير مختص باللغة العربية ، بل يوجد في خطابة كثير من اللغات وكلامها الذي يتسامى إلى البراعة ومراعاة مقتضى الحال . حتى أن المزامير الرائجة لما كان أسلوبها طامحا إلى البلاغة جاء فيها كثير من ذلك ، فقد جاء في المزمور التسعين ( وعمل أيدينا ثبت علينا وعمل أيدينا ثبته ) ، وتكرر في المزمور السابع والخمسين قوله ( ثابت قلبي ) مرتين وفي أول الرابع والتسعين ( يا إله النقمات ) مرتين ، وفي المائة والخامس عشر ( اتكلوا على الرب ) ثلاث مرات ، وفي المائة والثامن عشر ( احمدوا الرب لأنه صالح إلى الأبد رحمته ) مرتين ( أن إلى الأبد رحمته ) ثلاث مرات ، وفي المائة والرابع والعشرين ( لولا الرب الذي كان لنا ) مرتين ، وفي المائة والسادس والثلاثين ( لأن إلى الأبد رحمته ) ستا وعشرين مرة ، على أن هذا المزمور لا يبلغ النصف من سورة الرحمان . وأيضا قد تكرر في العشرين من القضاة ( بين رجليها أنطرح سقط ) مرتين ، وفي الأربعين من أشعيا ( يبس الشعب ذبل الزهر ) مرتين ، وفي العشرين من حزقيال ( التي إن عملها إنسان يحيا بها ) ثلاث مرات ، وأيضا تكرر في سابع متى عن قول المسيح ( من ثمارهم تعرفونهم ) مرتين ، كما في الثالث عشر منه أيضا عن خطاب واحد للمسيح مع تلاميذه قوله ( هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ) . وفي هذا المقدار من العهدين كفاية وإن كان فيه أكثر من ذلك . وإنك إذا نظرت إلى مكررات القرآن في مواردها وجدتها مما لا يساغ لغرض البليغ في تركها ، كيف لا وهي في مقام الامتنان بتيسير القرآن للذكر والحث على الإدكار للإتعاظ بما جرى على الكفرة المتمردين من عظيم النكال . وفي مقام التهديد والتهويل بذلك البطش الشديد حيث تمت عليهم الحجة بالنذر ، وفي مقام التنويه بآلاء الله وبيان أنه لا مجال في التكذيب بها ، وفي مقام التهديد والوعيد بالويل في يوم القيامة للمكذبين بالمعاد والجزاء ، وإنك لترى إن هذه المقامات هي الرأس والعمدة في الاصلاح ، والتكميل ، ونظام المدنية ، والهدى إلى الإيمان والسعادة ، فراجع مواردها فإنها توردك بتوفيق الله من زلالها