الشيخ محمد جواد البلاغي
36
الهدى إلى دين المصطفى
كما تعرف البراعة وعلو الشأن في قوله تعالى في سورة البقرة 16 ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) فإنه بعد أن فتح عين الفهم بضرب المثل ودله على مغزاه أوقفه على ربوة التنبه ، وموعد الانتظار ، وكفاه بعد المسافة ، ومعثرة التطويل وملل التكرار ، وناوله تتمة المثل ونتيجة التمثيل بيد واحدة من مكان قريب قد راعى في أسلوبه أولوية الكافرين بصفة المثل ، وأن يروع الذهن بهول حقيقتها قبل أن يؤلف بفرض مثالها ، ولو أجرى الكلام على السذاجة المبتذلة لتباعدت أطرافه وتشتت معانيه وانحل نظامها ، واضمحلت خواص مقاصده ، ولم ينجح في طوله الممل بطائل ، واستوضح ذلك من تفكيكه وتطويله حسب ما يقترحه البسطاء ، واتل لمن ينكر نورانية إعجازه بهذا الأسلوب الخاص ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله . . ) الآية والتي بعدها . ومما ذكرناه تعرف أنه لا حاجة إلى أن نجعل ( الذي ) بمعنى ( الذين ) فإن هذا التقدير زيادة على وهنه يذهب برونق السياق وفرائد الفوائد . والمتعرب ( ذ ص 77 - 79 ) يعد هذه الآيات من الكلام المبتور الذي يتحير فيه السامع زاعما في تمويهه أن هذه الأساليب مخلة بالبلاغة لعدم الدلالة فيها على المحذوف . وقد ذكرنا لك ما يحتمله الاختصار من شعر العرب الذي يوقفك على أسرار البلاغة وتفنن البلغاء في كلامهم حسب مقتضى الحال ، على أنك لو قسته بالآيات المذكورة لوجدته كالمصباح مع الشمس والصبابة مع النهر . أم يريد المتعرب أن يكون القرآن الكريم في التطويل المضجر والتكرار الفارغ ، كالتوراة الرائجة في صنعة المسكن وثياب هارون ، ( فانظر خر 25 - 31 ) ( وانظر أيضا خر 35 - 40 ) . أو يريد أن تكون أمثال القرآن الكريم كأمثال الإنجيل الرائج التي شوه التطويل صورتها ، وشردت بها الفضول الفارغة عن مطابقة الممثل حتى كانت النتائج بعدها أجنبيه ، مضافا إلى أنها قد اشتملت على فقرات أن كانت داخلة في غرض المثل لزم منها الكفر ونسبة الظلم إلى الله جل شأنه ، والمعاملة مع