الشيخ محمد جواد البلاغي

276

الهدى إلى دين المصطفى

وقوعه ، وهل هناك إلا أن إنجيل متى ولوقا لم يذكراه ، فلماذا لا يقال إنهما غفلا عنه كما أهمل كل منهما كثيرا مما ذكره الآخر . واعترض المتعرب أيضا وقال ( ذ ) ص 57 : جاء في القرآن أن الله أمر مريم أن تقول كذبا إنها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم اليوم انسيا ، وهي لم تكن صائمة بدليل أمره إياها في العبارة نفسها أن تهز إليها بجذع النخلة تساقط عليها رطبا جنيا فتأكل وتشرب وتقر عينا ، وبعد فإن أمره إياها أن تقول إنها صائمة لا تتكلم كلام متناقض لأن الصائم لا يتكلم ، فإن قالت ما أمرها بقوله فقد تكلمت . قلنا : إن للكلام مجاريا ودلالات عرفية التزامية لا يجحدها غير المعاند أو الغبي . . فلا يخفى أن المولى إذا قال لعبده إذا جاءك فلان وأراد منك شيئا فقل له : إني ملتزم لمولاي بأن لا أعطيك ، فإن كل من يفهم الكلام يفهم من هذا أن المولى قد أمره في مضمون كلامه بأن يلتزم . فكلام الله دال بمضمونه على أمر مريم بأن تنذر السكوت ، وأيضا إذا قال المولى لعبده : إذا جاءك أحد فقل له بقول اللفظي : إني ملتزم بأن لا أكلمك فمعناه الأمر بأن يلتزم أن لا يكلم أحدا بغير هذا القول المتكفل بالبيان ، فيكون هذا القول غير داخل من أول الأمر في الكلام المأمور بتركه بل المأمور بتركه هو ما بعد هذا القول وما عداه من الكلام . فقول مريم ( إني نذرت . . الخ ) غير داخل من أول الأمر في الكلام المأمور بنذر تركه ، هذا إذا كان المراد من القول في الآية الكريمة هو القول اللفظي ، وأما إذا أريد منه الإشارة إلى معاني هذه الألفاظ وعبر عنها بالقول مجازا لأجل أفادت الإشارة فائدته فلا حاجة إذا إلى الاستثناء ، فدعوى التناقض في هذا المقام إنما هي من تناقض السجية ، والبواعث مع دعوى الأدب وحرية الضمير . . وأيضا إن وقت الصوم المنذور لم يكن هو وقت أكلها من الرطب ، بل كان وقته حينما ترى الناس وترجع إليهم ويسألونها عن شأنها ، فهو غير الوقت