الشيخ محمد جواد البلاغي
245
الهدى إلى دين المصطفى
ولحم صباحا وبخبز ولحم مساء ، فالعهدان يقولان : إن في الحيوان ما هو ذو حيل ومخادعة وتعقل وكلام وكذب وحكمة ، فأين المتكلف عن هذا عند اعتراضه . وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم واقعة الهدهد وملكة سبأ وعرشها ومجيئها إلى سليمان ، فانظر إلى سورة النمل من الآية 20 - 45 . فقال المتكلف ( يه 2 ج ص 100 و 101 ) وهذه الخرافة من الخرافات اليهودية ذكرت في كتبهم ، ومن أوتي ذرة من التمييز لا يقبلها ، ولم يرسل سليمان عفريتا من الجن وسرق عرشها ولم يأت بأخبارها هدهد ولا غير ذلك من الخرافات الفاحشة الدالة على أن الهدهد أعلم من سليمان . قلت : ليس لمن يعرف قدره أن يحكم على الشئ بأنه خرافة حتى يقيم البرهان على امتناعه عقلا كامتناع اجتماع النقيضين ، وليس له أن يتشبث بامتناعه العادي إذا كانت واقعته مرتبطة بقدرة الله وكرامته الخاصة لأنبيائه وأوليائه ، كما لا ينبغي أن يعترض بمجرد الاستبعاد والامتناع العادي على ما يذكره العهدان في كرامات موسى وهارون ، ويوشع ، وإيليا ، واليشع ، والمسيح ، وبطرس ، وبولس . وإنما للمعترض في المقام أن يطالب بمستنده فإن كان كتاب الوحي فليطالب بسنده وحجته إن لم يسعده التوفيق على الطلب لذلك بنفسه ليفوز بنعمة الإيمان وينجو من هلكة الجحود الأعمى . وليس له في قانون الأدب وشرف الإنسانية أن يجعل جهلة الأعمى حجة على الإنكار على كتاب الوحي ، وليس مما ذكره القرآن في هذا المقام شئ ممتنع عقلا ، ولا يلزم منه أن يكون الهدهد أعلم من سليمان مطلقا ، بل إن سليمان إنسان يجوز أن لا يعلم من البلاد مثل من شاهدها ، وإن أراد المتكلف الخرافة التي تبطل بها دعوى كون الكتاب إلهاميا فلينظر أقلا إلى ما تذكره التوراة الرائجة إذ تقول إن الله جل شأنه وتعالى صارع يعقوب إلى طلوع السحر ، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته فقال له :