الشيخ محمد جواد البلاغي

201

الهدى إلى دين المصطفى

وأما أن موسى عليه السلام مشهور بالحلم والوداعة ، فهو لعمر الله رسول الله وكليمه وصفيه ، معلم الكمال ومهذب البشر ومؤدبهم ، العارف بمواقع الحلم ومواقع الحزم والشدة في ذات الله ووظيفة الرسالة وحكمة التبليغ والأنذار ، وهو أجل شأنا وأعلى قدرا من أن يعتمد في كماله على مجرد الشهرة . ولكن لا يتيسر الإذعان بذلك مع الإذعان بصحة في العهد القديم ، فإنه قد قرف قدس موسى عليه السلام بما لا يصدر إلا من فظ غليظ القلب سئ الخلق سئ الأدب سئ المعرفة بالله ، فنسب إلى موسى وحاشاه أنه لما أرسله الله إلى فرعون رد الرسالة بلسان خشن وكرر الرد مع احتجاج الله عليه ووعده له بالتأييد حتى حمي غضب الله عليه ( خر 4 ، 10 - 15 ) وأنه قال الله : لماذا أسأت إلى هذا الشعب ( خر 55 ، 22 ) لماذا أسأت إلى عبدك ( عد 11 ، 11 ) وتحكم على الله بالغفران لعابدي العجل ، وقال لله : الآن إن غفرت لهم وإلا فامحني من كتابك ( خر 32 ، 32 ) . ولما وعده الله بإشباع بني إسرائيل من اللحم رد على الله كالمستهزء بوعده المنكر لقدرته ، فقال : ستمائة ألف ماش هو الشعب الذي أنا في وسطه ، وأنت قد قلت أعطيهم لحما ليأكلوا شهرا من الزمان ، أيذبح لهم بقر وغنم ليكفيهم ؟ أم يجمع لهم سمك البحر ليكفيهم ؟ فقال الرب : هل تقصر يد الرب ( عد 11 ، 21 ، 23 ) . وقالت المزامير : إن موسى وحاشاه فرط بشفتيه ( مز 106 ، 33 ) ، وانظر الجزء الأول صحيفة ( 125 - 132 ) ، أفيقول المتكلف : إن الحلم والوداعة والأدب لا تليق من موسى مع الله ، كما تليق منه مع فرعون في مقام الدعوة والانذار . ولعلك تسأل وتقول : لماذا لم تذكر التوراة شيئا من مكالمات موسى لفرعون في الوعظ والانذار الذي لا بد منه في هذا المقام ، ولماذا أهملت ذكر المكالمات فيما أشرت إليه في أول الجواب ؟ فنقول لك : إن التوراة الرائجة قد أبدلتها صروف الأيام عن مثل هذا بأشياء قد حكمنا فيها وجدانك فإن شئت جعلتها من حقائق العرفان وإن شئت جعلتها من خرافات الهذيان ، وذلك أنها ذكرت كلام الله مع موسى في حوريب ومدين وإرساله إلى فرعون ووعده بالتأييد