الشيخ محمد جواد البلاغي

16

الهدى إلى دين المصطفى

معانيها ( ذ ص 73 ) ، فأقول : وقد جاء على مثل هذا الاستعمال قول لبيد بن ربيعة : أليس ورائي أن تراخت منيتي * لزوم العصا تحني عليها الأصابع وقول عبيد : أليس ورائي أن تراخت منيتي * أدب مع الولدان أزحف كالنسر وقول المرقش : ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم وهذه الأبيات وأمثالها لو طويناها على غرها لكانت على كل حال شاهدة بكثرة استعمال العرب للفظة ( وراء ) في المعنى الذي نحاه القرآن الكريم ، فإن وجه الاستعمال فيها وفي القرآن الكريم واحد ، لأن ما جعل الوراء ظرفا له في الشعر لم يقع في الزمان الماضي ليكون وراء بالمعنى المعروف ، وإنما هو مترقب في المستقبل فهو أمام وقدام . والتحقيق الذي توحي به كل فطرة سليمة ، ويشاهده كل فهم مستقيم هو أن ( وراء ) في الآيات والشعر مستعملة في معناها المعروف الكناية ، عن كون مظروفها طالبا مستوليا كاستيلاء الطالب ، وقدرته على أخذ المطلوب إذا كان من وراثه ، قال تأبط شرا : ووراء الثار مني ابن أخت * مصع عقدته لا تحل ولا يسلم للآيات الكريمة والشعر المتقدم هذا البيان البارع لهذا الغرض العالي أو عبر بلفظة ( أمام ) ولتنازل الكلام إلى البساطة . وقد جاء كثير من كلام العرب ما قد أخذ بمجامع البلاغة والبراعة ، وأوحى أسلوبه الخاص وصورته البهية بأسرار بديعة ومقاصد عالية ونكات شريفة لا يحيط بها الكلام البسيط إلا بتطويل ممل ، ولكن أصحاب صناعة النحو اضطروا في تطبيقه على صناعتهم التابعة للسان العرب لا المتبوعة ، والتجأوا اعتلالا إلى التقدير ، وتوصلا إلى الإلمام بفهمه باسم التوسع مع أنا نجد أنه لو أظهرنا ما يقدرونه فيه لفات الغرض وانحل نظام الكلام .