الشيخ محمد جواد البلاغي

159

الهدى إلى دين المصطفى

إنما يكون بالتوجه إلى شرقي جبل الشرات ، فإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا منافاة بين قول التوراة إن إسماعيل سكن في بريه فاران ، وبين القول بأنه سكن مكة . فإن التوراة كثيرا ما تحدد الأماكن بحدود واسعة خصوصا إذا لم تكن مدينة معروفة ، فإن مكة لم تكن عند سكنى إسماعيل فيها مدينة ممصرة وإنما كانت برية بيداء . وقد جرت عادت التوراة بتحديد مثلها بالحدود الواسعة كأرض الجنوب ( تك 24 ، 62 وعد 13 ، 29 ) ، وأرض المشرق ( تك 25 ، 6 ) ، وأرض بني المشرق ( تك 29 ، 1 ) ، وعند الجبل وعند البحر ( عد 13 ، 39 ) ، فالمراد من برية فاران هي البرية الواقعة في شرقي سلسلة جبل الشرات ، فإنه لا برية له في غربه ، لأن غربه مضايق بالأردن وبحيرة لوط ووادي العربة والبحر الأحمر ، وهذه البرية هي الشاملة للحجاز ومكة . فالتوراة ذكرت منزل إسماعيل في مكة والحجاز لا بالتعيين ، بل بالجهة الشاملة . قال في الجلد السابع من دائرة المعارف ص 691 : الحجاز قيل وأحسن ما قيل في تحديده ما قاله ابن الكلبي ( وهو العلامة النسابة في أواخر القرن الأول من الهجرة ) : إن الحجاز عبارة عن جبل الشرات وما اتصل به . ( فإن قال المتعرب ) : إن أسلوب الإصحاح الأول والثاني من التثنية يقتضي أن عبور بني إسرائيل من إيلة ومن عصيون جابر إلى شرقي جبل الشرات إنما كان بعد ارتحالهم من قادش التي هي برية فاران ، وذلك يقتضي أن تكون قادش وبرية فاران في وادي العربة أو في غربيه ، فهي إذا أما من فلسطين وأما من برية سينا . ( قلت ) : لعل المتعرب قد غرته التراجم حيث جعلت أدوات العطف بلفظ ( ثم ) و ( الفاء ) اللتين هما للترتيب ، وإنما هو محض تشهي وتحكم من المترجمين ، فإن الأصل العبراني لم يقع فيه العطف إلا بالواو ، وهي لمطلق