الشيخ محمد جواد البلاغي
149
الهدى إلى دين المصطفى
فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 44 ) على تسمية القرآن أبا إبراهيم ( آزر ) مع أن التوراة سمته ( تارح ) ( تك 11 ، 26 ) ، وبأن تارح ما كان يعبد الأصنام بدليل أنه هاجر مع إبراهيم إلى حاران ، فلو لم يكن تقيا لما ترك وطنه وهو عزيز عنده . قلنا : إن آزر معرب اليعازر ، ومنه قول المتنبي : ( أو كان صادف رأس آزر سيفه ) حيث أراد منه اليعازر الذي يذكر إنجيل يوحنا أن المسيح أحياه من الموت ، فيجوز أن يكون لفظ اليعازر لقبا لتارح فإن معناه ( الله عون ) فسمى القرآن تارح بلقبه . ودعوى أن تارح لم يكن يعبد الأصنام إنما هي من المتكلف دعوى لا شاهد عليها إلا التخمين المعارض بأقوى منه ، فإن ( لابان ) ابن بتوئيل ابن ناحور أخي إبراهيم كان في حاران يعبد الأصنام انظر ( تك 31 ، 19 و 30 ) وهذا يعطي أن بيت إبراهيم لم يكونوا في حاران أبرياء من عبادة الأصنام ، ويؤيد ذلك أن إبراهيم هاجر عن أهله من حاران ولم يتبعه إلا لوط وسارة ويجوز أن يكون تارح هاجر من وطنه حبا لإبراهيم وفرارا بولده من كيد عبدة الأوثان ، وهذا مما يقدم عليه الأب الشفيق وإن لم يكن على دين ولده ولنا أن نقول إن آزر المذكور في القرآن لم يكن أبا إبراهيم حقيقة ، وإنما هو حسب قول التوراة اليعازر الدمشقي ملك بيت إبراهيم أو ابنه المتأهل لوراثة إبراهيم ( تك 15 ، 2 - 4 ) فسماه القرآن أبا لإبراهيم حسب الاصطلاح الجاري في القديم من تسمية القيم بالأمور ( أبا ) وإن كان عبدا أو رعية ، فعن قول يوسف : الله جعلني أبا لفرعون ( تك 45 ، 8 ) . وعن قول ميخا للغلام اللاوي : كن لي أبا : ( قض 17 ، 10 ) ، وعن قول الدانيين لذلك الغلام أيضا : كن لنا أبا : ( قض 18 ، 19 ) ، وربما يشير تصريح القرآن باسم آزر إلا أنه احتراز عن الأب الحقيقي . وقال الله تعالى في سورة التوبة 115 : ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) .