الشيخ محمد جواد البلاغي

147

الهدى إلى دين المصطفى

( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) ، وبين حكاية التوراة لقول إبراهيم أيضا ففيها وقال : أنا الرب الذي أخرج من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها ، فقال : أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها ( تك 15 ، 7 و 8 ) أفترى هذا الكلام يعطي رائحة من الإيمان والتصديق بوعد الله في أمر جرت عليه سنة الله في عباده وبلاده من توريثه أرض قوم لآخرين ، أم يعطي أنه لا يحصل العلم بمجرد قول الله ووعده وإنما يحصل العلم بشئ آخر ، كما قيل : بماذا أعلم أني أرثها . هب أن المتكلف لا يفهم القرآن ولا اللغة العربية ، أو أنه يتحامل لتعصبه على القرآن بالافتراء توهما لرواج ذلك عند بعض الأوباش ، ولكنه ألم يكن يدري بأن في توراته مثل هذا الذي يفضحه عند المقايسة ، ولعمر الأدب لو أراد أن يدل على ما في توراته من الخلل لما أحسن التنبيه بمثل هذا التعريض . وأظرف شئ مع ذلك أنه يقول : إن كتاب الله يعلمنا بأن إبراهيم لم يشك في قدرة الله مطلقا ، إذن فالتوراة التي ذكرت هذا الكلام كتاب من ؟ وهل ترى المتكلف يقول : إن قول إبراهيم ( بماذا أعلم ) ليس شكا في قدرة الله وإنما هو شك في صدقه جل شأنه في وعده ، نعم يقول ولا يبالي ، ولا تقل إن المتكلف لا يعلم بهذا الكلام من توراته ، فإنه نقل منها هذا المقام برمته ، ولكنه ستر بذيل أمانته قولها ( بماذا أعلم أني أرثها ) . وحاصل هذا المقام هو أن الله تبارك اسمه قال لإبراهيم أعطيك هذه الأرض لترثها فقال إبراهيم : بماذا أعلم أني أرثها ؟ فقال له : خذ لي عجلا ثلاثية وعنزا ثلاثية وكبشا ثلاثيا ويمامة وحمامة فأخذها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه ، وأما الطير فلم يشقه ، ثم غابت الشمس فصارت العتمة وإذا تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القطع ، في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا : لنسلك أعطي هذه الأرض ( تك 15 ، 1 - 19 ) ، فانظر وقل إذا كان وعد الله لا يوجب العلم بصدقه حتى يقول إبراهيم : ( بماذا أعلم أني أرثها ) ، فما وجه الدلالة في قطع الحيوانات وظهور الدخان والنار بين قطعها ، فإن كان إبراهيم يخاف خلف الوعد والندم والحزن والتأسف في القلب على صدور الوعد ، فإن هذا العمل لا يوجب له العلم بعدم الندامة ولا فائدة فيه .