الشيخ محمد جواد البلاغي
132
الهدى إلى دين المصطفى
لأستارهم لم يكن مثل ذلك من الغيبة المحرمة القبيحة أصلا ، مضافا إلى أن شريعة تحريم الغيبة من العقل والشرع إنما هي شريعة إصلاحية اجتماعية تمد الستر فيما بين البشر وتمنع ما يضر بالاجتماع البشري ، فلا يجري حكمهما مع الملائكة خصوصا إذا ذكروا شيئا من فسق الفساق تنفرا منه واستقباحا له ، فهل يقول عاقل أو متشرع بأنك اغتبت وفعلت حراما إذا شكوت إلى الله ظالمك وذكرت له ظلمه ، وإذا ذكرت لله فسق الفاسق ليغفر له أو ليهديه أو لينتقم منه . وليت شعري إذا كان المتكلف يجعل قول الملائكة من الغيبة المحرمة ، فماذا يصنع بكتابة العهد الجديد ، فإنك تقدر أن تؤلف منه من الكلام المنسوب للمسيح والتلاميذ كتابا بقدر الإنجيل أو أكثر كله في غيبة الكتبة والفريسيين وبني إسرائيل والمسيح والتلاميذ ومريم المجدلية وجماعة من المؤمنين بالمسيح . وقال المتكلف في كلامهم ( أي الملائكة ) : العجب وتزكية النفس بذكر مناقبها . قلنا : لم يكن الغرض من بيان تسبيحهم وتقديسهم هو الافتخار به ، ولكن ضرورة السؤال عن وجه الحكمة في خلق البشر اقتضت ذكره ، وليس هذا من العجب وتزكية النفس خصوصا حال كونهم أزكياء معصومين لا يعصون الله ولا يفرطون في وظائفهم من العبادة ، ولئن كان هذا من العجب وتزكية النفس الممقوتة ، فماذا يقال في القول المنسوب للمسيح بعد الذم للرعاة أنا باب الخراف أنا الراعي الصالح ، أما أنا فإني الراعي الصالح ( يو 10 ، 7 - 15 ) مع أنه أنكر على من سماه صالحا وقال له : لماذا تدعونني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله ( انظر مت 9 ومر 10 ولو 18 ) ، وماذا يقال في القول المنسوب لداود يكافأني الرب حسب بري حسب طهارة يدي يرد علي لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي لأن جميع أحكامه أمامي وفرائضه لا أحيد عنها ( 2 صم 22 ، 21 - 24 ) . والأقوال المنسوبة إلى بولس في الافتخار بالأعمال والمراتب العالية وإن