ابن سعد

139

الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )

( 1 ) فقال : بلى لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه . فكان يحلب لهم فربما قال للجارية من الحي : يا جارية أتحبين أن أرغي لك أو أصرح ؟ فربما قالت : أرغ . وربما قالت : صرح . فأي ذلك قالت فعل . فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر ثم نزل إلى المدينة فأقام بها ونظر في أمره فقال : لا والله ما يصلح أمر الناس التجارة وما يصلح لهم إلا التفرغ والنظر في شأنهم وما بد لعيالي مما يصلحهم . فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم ويحج ويعتمر . وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم . فلما حضرته الوفاة قال : ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال 187 / 3 شيئا . وأن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم . فدفع ذلك إلى عمر ولقوح وعبد صيقل وقطيفة ما يساوي خمسة دراهم فقال عمر : لقد أتعب من بعده . قالوا : واستعمل أبو بكر على الحج سنة إحدى عشرة عمر بن الخطاب . ثم اعتمر أبو بكر في رجب سنة اثنتي عشرة فدخل مكة ضحوة فأتى منزله وأبو قحافة جالس على باب داره معه فتيان أحداث يحدثهم إلى أن قيل له هذا ابنك . فنهض قائما وعجل أبو بكر أن ينيخ راحلته فنزل عنها وهي قائمة فجعل يقول : يا أبت لا تقم . ثم لاقاه فالتزمه وقبل بين عيني أبي قحافة وجعل الشيخ يبكي فرحا بقدومه . وجاء إلى مكة عتاب بن أسيد وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام فسلموا عليه : سلام عليك يا خليفة رسول الله . ص . ثم سلموا على أبي قحافة فقال أبو قحافة : يا عتيق هؤلاء الملأ فأحسن صحبتهم . فقال أبو بكر : يا أبت لا حول ولا قوة إلا بالله ! طوقت عظيما من الأمر لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله . ثم دخل فاغتسل وخرج وتبعه أصحابه فنحاهم ثم قال : امشوا على رسلكم . ولقيه الناس يتمشون في وجهه ويعزونه بنبي الله . ص . وهو يبكي حتى انتهى إلى البيت فاضطبع بردائه ثم استلم الركن ثم طاف سبعا وركع ركعتين . ثم انصرف إلى منزله . فلما كان الظهر خرج فطاف أيضا بالبيت . ثم جلس قريبا من دار الندوة فقال : هل من أحد يتشكى من ظلامة أو يطلب حقا ؟ فما أتاه أحد وأثنى الناس على واليهم خيرا . ثم صلى العصر وجلس فودعه الناس . ثم خرج راجعا إلى المدينة . فلما كان وقت الحج سنة اثنتي عشرة حج أبو بكر بالناس تلك السنة وأفرد الحج واستخلف على المدينة عثمان بن عفان .