ابن هشام الحميري
951
السيرة النبوية
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر . فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو ذر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ، يمشى وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده . وقال ابن إسحاق : فحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة ، وأصابه بها قدره ، لم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه ، فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني ، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمر بكم فقولوا : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعينونا على دفنه . فلما مات فعلا ذلك به . ثم وضعاه على قارعة الطريق ، وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمار ، فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق ، قد كادت الإبل تطؤها ، وقام إليهم الغلام ، فقال : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعينونا على دفنه . قال : فاستهل عبد الله بن مسعود يبكى ، ويقول : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تمشى وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك . ثم نزل هو وأصحابه فواروه ، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه ، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك . قال ابن إسحاق : وكان رهط من المنافقين ، منهم وديعة بن ثابت ، أخو بنى عمرو بن عوف ، ومنهم من أشجع ، حليف لبني سلمة يقال له : مخشن بن حمير - قال ابن هشام : ويقال : مخشى - يشيرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون جلاد بنى الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا ! والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال ، إرجافا وترهيبا للمؤمنين ، فقال مخشن بن حمير : والله لوددت أنى أقاضي على أن يضرب كل [ رجل ] منا مئة جلدة ، وإنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه .