يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )
82
مجموعه مصنفات شيخ اشراق
قاعدة « 1 » - [ في اللّذة والألم الأخرويتين ] ( 79 ) ظنّ العامّة أن لا لذّة غير الحسية ، ولم يعلموا أنّ لذة « 2 » الملائكة يشهدون جلال الله - أعظم وأتمّ وأبهج من لذّات « 3 » البهائم بمآكلها ومشاربها « 4 » . واعلم أنّ « اللّذة » هي إدراك ما وصل من كمال المدرك وخيره إليه ، إذا لم يكن مضادّ ولا شاغل . و « الألم » هو إدراك ما وصل من آفة المدرك وشرّه إليه ، إذا لم يكن شاغل ولا مضادّ . ولكلّ من المشاعر لذّة وألم بحسبه : فللبصر ما يتعلّق بالمبصرات ، فلذّته فيما يلائمه منها ، وألمه فيما لا يلائمه ؛ وللشمّ ما يتعلّق بالمشمومات ؛ وللذوق في المطعومات ؛ وللشهوة ما بحسبها ؛ وللغضب ما بحسبه من الغلبة والقهر ؛ فلكل واحد من هذه لذة تخصّه بما يلائمه وألم بما لا يلائمه « 5 » ، حتى أنّ التذاذ الشّم برائحة الندّ وتألّمه برائحة كريهة ، لا يشاركه فيهما « 6 » لا سمع والبصر . ( 80 ) وكمال الجوهر العاقل منا الانتقاش بالحقائق ومعرفة الحق وعجائب ملكوته وملكه ؛ ومن جهة علاقته مع البدن : بأن « 7 » يستولي على القوى البدنية ولا يستولي هي عليه ؛ وأن يكون شهوته وغضبه وفكره في تدبير الحياة ، على الاعتدال وعلى ما يقتضي الرأي الصحيح . ونقصه في الجهل وتسلّط قوى البدن عليه . وكما أنّ النفس أشرف من قوى البدن ، فنقوشه ومدركاته من جلال الحق الأوّل وملكوته ، أشرف ممّا يدركه الحواس بما لا يتقايس . فلذّته أتمّ من لذة الحواسّ أيضا بما لا يتقايس . وإنّما لا يلتذّ العالم ولا يتألّم الجاهل للشواغل البدنية كالسّكران الطافح الذي يزوره معشوقه فلا يلتذّ ، ويشمت به « 8 » العدوّ ويضربه « 9 » ولا يتألّم ، فإذا أفاق عظم ألمه . ( 81 ) وقد ينكر البدنيّون لذّة الروحانيات « 10 » لأنّهم ما ذاقوا ، كالعنّين ينكر لذة الوقاع . وإذا ارتفع شواغل البدن تلتذّ النفس العارفة بمشاهدة الملكوت وبإشراق أنوار الحق . وقد جاء في التنزيل مثنى يدل على حضور القدسي وهو قوله : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها
--> ( 1 ) قاعدة : - M ( 2 ) لذة : - M . ( 3 ) لذات : لذة T . ( 4 ) بما كلها ومشاربها : بأكلها وشربها T . ( 5 ) بما لا يلائمه : فيما يلائمه TA . ( 6 ) فيهما : فيها TA . ( 7 ) بأن : فبأن T . ( 8 ) يشمت به : يشمته TA . ( 9 ) يضربه : + ويشفيه A . ( 10 ) الروحانيات : الروحانيون A .