يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )
61
مجموعه مصنفات شيخ اشراق
فنعرف الحقّ الأوّل ولا نحيط به كما ورد « 1 » في التنزيل : « وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » « 2 » يثنيه قوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » « 3 » فالحق محتجب بكمال نوريّته وشدة ظهوره . قاعدة - [ في أنّ الحق الأول لم يزل فاعلا للأشياء وفي الحدوث الذاتي والتقدم والتأخر والعلية ] ( 48 ) إنّ قوما يرون أنّ الحق الأوّل لم يفعل الأشياء في الأزل ، ثم شرع ففعل . وحجّتهم أنّه لو دام الصنع مع الصانع لساواه « 4 » فلا يكون بينهما فرق . حجة أخرى قالوا : لو كان العالم دائم الوجود لكان عدد أيّامه ولياليه وبالجملة حوادث العالم غير متناهية . وقالوا : اليوم آخر « 5 » ما مضى ، فتناهى « 6 » به ، فانتهى . ( 49 ) وقوم آخرون وهم الفلاسفة مثل أرسطاطاليس - وهو إمام القوم - ومباحثو المشائين يرون أنّ الحقّ الأوّل لم يزل فاعلا للأشياء وأنّ وجوده دائم معه . واحتجّوا فقالوا : قد بيّنا أنّ الممكن لا يحصل إلّا بالمرجّح . فإن كان المرجّح والسبب هو ذاته الأول ، وذاته مع أيّ عدد من الصفات يفرض وهو دائم ، فيدوم التّرجيح ؛ وإن كان هو حاصلا مع جميع ما يفرض صفة له ، ولم يحصل الفعل ، فهو موقوف على وقت أو شرط أو زوال مانع ممّا يتوقّف عليه الفعل ، وقبل جميع الممكنات لا وقت ولا شرط ، فإنّهما « 7 » من المخلوقات . وليس في العدم الصريح حال يكون فيه فعل شيء أولى به من حال آخر . ولا يتجدد له إرادة أو قدرة فيريد بعد ما لم يرد ، أو يقدر بعد ما لم يقدر . مع أن كل ما يتجدّد هو من جملة الممكنات ، ولا يتقدّم على جميع الممكنات إلّا هو ، وهو دائم ، فالمرجّح هو لا غير فيدوم به الترجيح ؛ وأفعالنا إنّما يتخلّف « 8 » عن وجودنا لتوقّفها على إرادة أو مادّة أو آلة أو وقت حتّى إذا حضرت
--> ( 1 ) ورد : المثنى M . ( 2 ) سورة 20 ( طه ) آية 110 . ( 3 ) سورة 6 ( الانعام ) آية 103 . ( 4 ) لساواه : لسواه T ، لمساواة A . ( 5 ) آخر : أحسن A . ( 6 ) فتناهى : فيتناهى AT . ( 7 ) فإنّهما : فإنّها T . ( 8 ) يتخلف : يختلف T .