يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )

3

مجموعه مصنفات شيخ اشراق

كنه عظمتك عقول العقلاء وانطمست في أدنى طبقة من انوارك افهام الفهماء ؟ غرقت في أبحر لجج سنا معرفتك الباب الألبّاء وخرست في التعبير عن أحوال ربوبيّتك ألسن الفصحاء والخطباء . فلك الحمد على ما سألت من العطاء ودفعت من البلاء ، ولك الشكر على ما أوليت من النعماء وجلوت البصر عن الظلمة والعماء حمدا يرفعنا عن حضيض الكدر إلى أوج الأنوار والأضواء ومصدر الجود والسخاء . وأشهد انّ لا اله الّا اللّه وحده لا شريك له شهادة تطهّرنا من دنس الطبايع والأهواء وتجذبنا إلى عوالم الفسحة والفضاء . ثمّ الصلاة والسلام على ملوك حظاير القدس ورؤساء بقاع الانس لا سيّما المبعوث إلى العرب والعجم المخصوص بالشرف والكرم محمّد المصطفى أفضل الأنبياء والأولياء وأعظم السالكين والأصفياء صلّى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه نجوم المهتدين ورجوم الشياطين وسلّم تسليما كثيرا . امّا بعد فانّ المقصود من هبوط النفس الناطقة من العالم العلوىّ العقلىّ إلى العالم السفلى الظلمانىّ لكي تستكمل بالعلوم والمعارف الحقيقيّة لخلوّها في اوّل الأمر عن ذلك . ولمّا لم يمكنها الوصول إلى تلك العلوم الّا بعد الكدّ والاجتهاد في زمان طويل ، وذلك لا يكون الّا بمعاونة البدن وقواه ، والبدن لا يقوم الّا بالأغذية والملابس والمساكن وما يتبعها من الأمور اللذيذة ، فوجب ان يكون هذه الأشياء مقدّرة محدودة مضبوطة بالاعتدال لئلّا تخرج عنه إلى أحد طرفي الافراط والتفريط : فتكون بالأوّل خارجة عن الحكمة التي لأجلها خلقت اللذّات البدنيّة وبسبب ذلك تقوّى علاقتها ويشتدّ ميلها إلى عالم الغربة فتخرج بذلك عن الحكمة ، وبالثاني يحصل اتلاف البدن الذي بقاؤه سبب لتحصيل الكمال المؤدّى إلى الاتّصال . فلهذا احتجنا إلى تهذيب الاخلاق ضمنا وتبعا ، لانّ الاشتغال بالحواسّ الظاهرة والباطنة