المحقق البحراني

56

الحدائق الناضرة

وأنت خبير بأن ما قدمنا ذكره عن أصحاب هذا القول من الكراهة على تقدير الجواز لا إشارة فيه في هذه الأخبار ، فضلا عن الدلالة عليه ، والظاهر أنهم استندوا فيه إلى خوف الفتنة ، وهو أمر آخر كما لا يخفى . وقيل : بالتحريم مطلقا ونقل عن العلامة في التذكرة ، لعموم قوله تعالى ( 1 ) " ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن " الآية ، ولاتفاق المسلمين على منع النساء ، أن يخرجن مسافرات ، ولو حل النظر لنزلن منزلة الرجال ، ولأن النظر إليهن مظنة الفتنة وهي الشهوة ، فالأليق بمحاسن الشرع حسم الباب ، لأن " الخثعمية ( 2 ) أتت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع تستفتيه ، وكان الفضل بن العباس رديف ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ ينظر إليها وتنظر إليه وصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وجه الفضل عنها ، وقال : رجل شاب ، وامرأة شابة ، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان . " وأورد على هذه الأدلة ، أن النهي مختص بما عدا محل البحث ، لقوله عز وجل " إلا ما ظهر منها " ، ودعوى اتفاق المسلمين عليه معارض بمثله ، كما تقدم في أدلة القول الأول ولو ثبت لم يلزم منه تحريم ، لجواز استناده إلى المروة والغيرة ، بل هو الأظهر ، أو على وجه الأفضلية ، وحديث الخثعمية بالدلالة على القول الأول أنسب ، وإليه أقرب ، لدلالته على جواز كشف الوجه يومئذ ، وعدم تحريم النظر ، وصرفه صلى الله عليه وآله وسلم وجه الفضل بن العباس ، إنما وقع لأمر آخر ، كما علله به من خوف الفتنة ولا كلام فيه ، كما عرفت لا من حيث حرمة النظر ، ولو كان النظر محرما ، لنهي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أول الأمر ، لوجوب النهي عن المنكر . أقول : أنت خبير ، بأنهم في هذا المقام لم يلموا بشئ من الأخبار ، ولم يطلعوا عليها بالكلية ، وإلا فهي الأولى بالاعتبار والاستدلال في الإيراد والاصدار ومن تأمل فيما قدمناه من الأخبار ونحوها غيرها لم يختلجه شك في ضعف القول

--> ( 1 ) سورة النور - آية 30 . ( 2 ) المسالك ج 1 ص 436 ، المستدرك ج 2 554 مع اختلاف التعبير .