حيدر حب الله
74
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
وفي خطوة أكثر تقدّما ، يشرّح المفيد هذا النوع من الخبر المحفوف بالشاهد والقرينة ، حينما يقول : « فأما خبر الواحد القاطع للعذر ، فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحّة مخبره ، وربّما كان الدليل حجّة من عقل ، وربّما كان شاهدا من عرف ، وربما كان إجماعا بغير خلف ، فمتى خلا خبر الواحد من دلالة يقطع بها على صحّة مخبره ، فإنه - كما قدّمناه - ليس بحجّة ، ولا موجب علما ولا عملا على كلّ وجه » « 1 » . وهذا معناه أن الخبر الحجّة عند الشيخ المفيد هو المعلوم صحّة مخبره ، إما للتواتر أو القرينة من عقل أو عرف أو . . . ، ومن ثم فما يذكره الزنجاني في حواشيه على « أوائل المقالات » من أن كلام المفيد أعم يشمل الاطمئنان النوعي ، فلا يكون المفيد - عليه - موافقا للمرتضى في إنكار حجية الخبر ، ولو بقرينة إسناده ذلك إلى جمهور الشيعة حيث هم على العكس « 2 » ، ما يذكره الزنجاني مجرّد احتمال ، فإن ظاهر عبارات المفيد ضرورة العلم ونفي الشك والارتياب ، وهو ظاهر في ضرورة تحصيل اليقين بوجه من الوجوه ، وسيأتي مزيد بحث حول مسألة الاطمئنان لاحقا بعون اللّه سبحانه . وأمّا جعل المفيد العرف شاهدا يقينيا على صحّة الخبر ، فليس دليلا على إرادته الاطمئنان بصدور النص دون اليقين ، لأنّ الشواهد العرفيّة قد تصلح أحيانا - ولو قليلة - لتحصيل يقين جازم . وهكذا يجعل المفيد في « الفصول المختارة » تلقّي الأمّة الإسلامية لخبر واحد بالقبول دون ردّ أحد على صاحب الرواية بل أجمعوا على الأخذ بها . . . يجعله شاهدا آخر على الخبر الواحد « 3 » وصار بالإمكان - عنده - البرهنة به ولو كان من الآحاد إذ بات يفيد اليقين . وفي نصّ آخر دالّ يقول المفيد في « تصحيح اعتقادات الإماميّة » ما نصّه : « إن المكذوب منها [ الأحاديث المختلفة ] لا ينتشر بكثرة الأسانيد انتشار الصحيح المصدوق على الأئمة عليهم السّلام فيه ، وما خرج للتقيّة لا تكثر روايته عنهم كما تكثر رواية المعمول به ، بل لا بدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرناه ، ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقيّة ، ولا شيء دلس فيه ، ووضع متخرّصا عليهم وكذب في إضافته إليهم ، فإذا وجدنا أحد الحديثين متّفقا على العمل به دون الآخر علمنا أنّ
--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 44 - 45 ، وانظر مارتن مكدرموت ، نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد : 382 - 384 . ( 2 ) - الزنجاني ، التعليقة على أوائل المقالات ، سلسلة المصنفات 4 : 378 . ( 3 ) - المفيد ، الفصول المختارة : 97 .