حيدر حب الله

714

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الثاني - نعطي مثالا تداولته بعض الأوساط الشيعية المتأخرة ، فالمقرّر في الزكاة تسعة أشياء - على ما هو المعروف عند فقهاء الشيعة - هي : الغلات الأربع : الحنطة والشعير والتمر والزبيب ، والأنعام الثلاثة وهي : الغنم ، والبقر ، والإبل ، والنقدين وهما : الدرهم والدينار . لكن قراءة مختلفة لروايات باب الزكاة تقول : إن وضع الحديث الشريف الزكاة على هذه التسعة بأعيانها ، إنما كان لظرف تاريخي زمكاني ، وهو أنها تمثل عصارة الإنتاج الاقتصادي في المجتمع آنذاك ، ومن ثم كان حضورها فاعلا في الحياة الاقتصادية ، أما اليوم فلم يعد للزبيب والشعير والأنعام و . . . - إذ أخذنا فيها شروطها من السوم والذهبية والفضية و . . . - أيّ حضور مما يجعل إنتاج الزكاة في غاية الضآلة والضحالة ، فكيف تكون الزكاة ، وهي التي شرّعت لسدّ حاجة الفقراء كما جاء في بعض الروايات « 1 » ، محصورة بهذه الأمور اليوم لا تتعدّى إلى غيرها ؟ ! إن هذا النمط من الفهم الذي يرى بعض ما جاء في الحديث محصورا بظرفه الزماني والمكاني ، لا يستفاد منه سوى في بعض جوانب الروح والملاك ، أو على الأقل يستنطق التاريخ لفهم النص ، هو ما نسمّيه القراءة التاريخية للحديث النبوي والمعصومي . ولكي لا نقع في التباس المصطلح - رغم الإيضاح السالف - نحاول التمييز بين تاريخية السنّة - بمعناها الجامع الذي أسلفناه - وبعض المقولات الأخرى التي قد تتصل بها وذلك : أولا : ثمة فرق بين حصول تحوّل في الموضوع أو المصداق وبين ما نعنيه هنا بمقولة تاريخية السنّة من بعض الوجوه ، فمعنى تغير الحكم بتغيّر موضوعه أو انعدام المصداق أنه لو ثبت حكم ما على موضوع « 2 » كثبوت النجاسة الذاتية على الخمر ، ثم استحالت الخمر

--> ( 1 ) - عن الصادق عليه السّلام : « إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء ومعونة للفقراء ، ولو أن الناس أدّوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقيرا محتاجا ، ولاستغنى بما فرض اللّه له . . » انظر : وسائل الشيعة 9 : 10 - 12 ، كتاب الزكاة ، أبواب ما تجب فيه . . . باب 1 ، ح 2 ، 3 ، 4 ، 6 . ( 2 ) - يقصد في علم أصول الفقه بموضوع الحكم كل القيود والشرائط المحيطة به ، كما يعبّرون عن متعلّق المتعلّق بالموضوع ، فمثلا حينما نقول : شرب الخمر حرام ، فإن « حرام » هي حكم ، وشرب « المتعلّق » ، والخمر هو « الموضوع » أو « متعلّق المتعلّق » ؛ لأن الحرمة تعلّقت بالشرب ، والشرب تعلّق بالخمر ، نعم فالخمر موضوع هنا ، لكن مصطلح موضوع الحكم في قاعدة ارتباط الحكم بموضوعه أوسع من هذا ؛ فالبلوغ شرط في الحكم وقيد فيه ، فيكون من مكوّنات موضوعه وهكذا ، ولهذا يجعلون العلاقة بين الحكم وموضوعه أشبه بعلاقة علّية ومعلولية ؛ فتحقق تمام القيود مثل البلوغ والعقل ووجود الخمر داخل محلّ الابتلاء و . . يجعل الحكم فعليا ، أي كأنه - بتعبيرنا اليوم - دخل حيز التنفيذ والتنشيط ، وحول اختلافهم في بعض تفاصيل تعريف الموضوع والمتعلّق ، وكلماتهم في هذا المضمار راجع : النائيني ، فوائد الأصول 1 : 145 ، و 4 : 389 ؛ والصدر ، بحوث في علم الأصول 2 : 77 - 78 ؛ والعراقي ، نهاية الأفكار 4 : 10 - 13 ؛ ومحمد حسين أحمدي فقيه يزدي ، أعمال مؤتمر الزمان والمكان 1 : 96 - 97 و . .