حيدر حب الله
620
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
كاذبة كان كذبها بنفسه دليلا على وجود الدسّ أيضا « 1 » ، ثم يقوّي طباطبائي موقفه بذكر مجموعة من نصوص العلماء - قديما وحديثا - تؤكّد وجود ظاهرة الوضع « 2 » ، وكأنه يريد بذلك أن يمتصّ نقمة خصمه بالاستشهاد بالتراث ، على عادة حركة النقد في المجتمع الإسلامي المعاصر . وبعد التذكير ببعض أسباب الوضع ، مثل حبّ الجاه والرئاسة والغلو والارتزاق و . . . « 3 » يرفض حسيني طباطبائي العذر المشهور في نقل الروايات والذي يدّعي صاحبه فيه أنّه مجرد ناقل ، وأنّ ناقل الكذب ليس بكاذب ، فيرى ذلك خطأ لا يمكن تبريره « 4 » ، وربما يقصد برفضه هذا الجواب عن الفتاوى المشهورة في الوسط الشيعي ، والتي تنصّ على إمكان أن يروي ، بما في ذلك الخطيب ورجل المنبر وقرّاء العزاء الحسيني والرواة الأوائل ، ما شاءوا من الأحاديث بما فيها الموضوع والمختلق والضعيف سندا والمرسل ، شريطة أن لا يقولوا : قال الإمام ، أو يجزموا بما ينقلوه ، بل يحوّلوا تعبيرهم إلى « روي » و « نقل » و « قيل » ، حتى يفرّوا بذلك ، من مشكلة الكذب أو القول بغير علم ، وكأن طباطبائي يريد أن يقول - محقّا - : أنّ المشكلة لا تكمن في تحويل الكلام من « قال » إلى « روي » ، بل في صيرورة الكلام - سواء سيق بقال أو بروي - جزءا من الثقافة العامّة « 5 » ، التي يطالب عالم الدين بتقويمها وإصلاحها على الدوام ، لا تكريسها واختراع وسائل ملتوية لتبريرها ، فالمشكلة ليست في قال وروي بل في مضمونهما ، والسواد الأعظم من الناس لا يلتفت إلّا إلى المضمون ، سواء جاء على صيغة قال ، أو على صيغة روي ، لا فرق . من هنا ، ومن هذه المنطلقات المشار إليها ، يشرع حسيني طباطبائي بنقد مصادر الحديث ، وهي على الترتيب عنده : الكافي ، وكتب الصدوق ، وبحار الأنوار ، ووسائل الشيعة ، والأحاديث التفسيرية ، وأخيرا كتب الأدعية والزيارات ، وما يلاحظ هو استبعاد كتب الشيخ الطوسي كالتهذيب والاستبصار من جهة ، واستحضار كتب الأدعية والزيارات والأحاديث التفسيرية ، ووسائل الشيعة من جهة أخرى . أمّا كتب الأدعية ، فقد كان أطلّ عليها مختصرا العلامة التستري في الأخبار الدخيلة ، وأما الأحاديث التفسيرية فقد لاحظنا صالحي نجفآبادي يوليها - بعد تجربة حسيني طباطبائي - أهمية خاصة نقدا وتفنيدا كما تقدّم ، أما وسائل الشيعة ككتاب ، فلم
--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 15 - 20 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 21 - 25 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 28 - 30 ، 33 - 35 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 32 . ( 5 ) - هذا ما يذهب إليه أيضا محمد حسين فضل اللّه ، فراجع له : الندوة 10 : 601 - 602 .