حيدر حب الله
57
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
اليقين بالخبر صدقا أو كذبا ، إن فرضيّة اليقين لا تعني أنّ الفقيه مثلا غير معنيّ بعناصر إنتاج هذا اليقين ، وإنّما يلقى هذا اليقين في قلبه أو ينفث في روعه ، وهذا معناه أنّ اليقين عنده نتاج عناصر ، من أبرزها حالة الرواة وأوضاعهم . ومما يؤكّد تفسيرنا هذا ، أنّ مدرسة السيّد المرتضى الرافضة لأخبار الآحاد الظنية ، ثمّة في نتاجها الفكري عموما اهتمامات رجاليّة ملموسة قياسا بحال تلك الفترة ، فالسيّد المرتضى مثلا لديه بعض المساهمات الرجالية المتفرّقة ، كحديثه عن أبي بكر بن أبي سبرة ، ويزيد بن أبي زياد ، والحسن بن عمارة ، وعمرو بن شعيب ، وهذيل بن شرحبيل ، وشهر بن حوشب وغيرهم « 1 » . وهكذا الحال مع ابن إدريس الحلّي ، إذ وجدنا له وقفات رجاليّة تتعلّق بالرواة السنّة أو الفطحيّة أو زرعة أو سماعة أو السكوني أو . . . « 2 » ، وهذا يعني أنّ النحو تجاه رفض أخبار الآحاد الظنية لا يعدم الفقيه الحاجة إلى علم الرجال . وأمّا الحديث عن استبعاد حصول اليقين لعلماء عصر النص نتيجة ظواهر الدسّ والوضع والجعل ، فهذا ما لا نجده شاهدا ، لأنّ نظام تجميع القرائن يمكنه أن يحسم الموقف في هذه الرواية أو تلك ، فموافقة الرواية للكتاب أو السنة القطعية المتواترة أو الإجماع أو العقل كان يمكنه أن يحصّل لهم اليقين بعدم الوضع ، كما يلاحظ في منهاج مدرسة المرتضى وفق ما سيأتي . ولكي نقرّب الفكرة ، نلاحظ موقف علماء الشيعة من جملة وافرة من روايات أهل السنّة ، وموقف علماء السنّة من جملة وافرة من روايات الشيعة ، إنّ بإمكان الطرفين الجزم بوضع آلاف الأحاديث من الجانبين ، انطلاقا من معطيات يقينية مسبقة ، وهذا يعني أن قدرة تصفية الأحاديث الموضوعة متوفّرة - في الجملة - وفقا لأصول يجري العمل عليها ، مهما كان تقويمنا نحن اليوم لهذه الأصول والمعايير ، وسوف يأتي أن الطوسي عدّ موافقة الكتاب مما يوجب الوثوق بمضمون الرواية ، رغم أن هذه السمة تعرّضت للنقد منذ عصر الشهيد الأول وحتى اليوم . وأمّا استغراب حصول اليقين من جرّاء رواية واحدة ، فهذا ما يدفعه اليقين الذي طرحه المحقق الحلّي ( 676 ه ) - كما سيأتي - من الخبر الواحد عندما لا يكون له
--> ( 1 ) - الشريف المرتضى ، الانتصار : 391 ، 558 ، 566 ، 590 ، 599 - 600 و . . . ( 2 ) - راجع السرائر 1 : 267 ، 300 ، 313 ، 495 ، و 2 : 48 ، 304 ، 675 ، و 3 : 273 ، 289 ، 290 ، 253 و . . ؛ وحول اهتمامه الرجالي ، راجع : علي همّت بناري ، ابن إدريس الحلي رائد مدرسة النقد في الفقه الإسلامي : 234 - 238 .