حيدر حب الله

554

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

صنع القصّاصين والوعّاظ ، ويفسّر البلوغ فيها بالبلوغ الموجب لاطمئنان النفس بصدور الرواية لا مطلق البلوغ « 1 » ، من هنا نجد الحسني متحفّظا جدا من أيّ رواية تحاول أن تعظّم ثوابا على عمل يسير ، كما نجده بالغ التحفظ من الروايات التي تدفع الإنسان للاستهانة بالعمل ، سيما بعض روايات الزيارة « 2 » ، ومن هذا المنطلق وجدنا له وقفات عديدة . فلدى تعرّضه لإحدى روايات الطينة يناقشها بمثل ذلك ، يقول : « . . . قلت : يا ابن رسول اللّه ما صنع بطينتنا ؟ قال عليه السّلام : خلق اللّه أرضا سبخة خبيثة منتنة وفجّر منها ماء أجاجا مالحا آسنا ، ثم عرض عليها ولاية أمير المؤمنين فلم تقبلها ، وأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيام ، ثم نضب عنها ، فأخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث فخلق منه أئمة الكفرة والطغاة والفجرة ، ثم عمد إلى بقية ذلك الطين ومزجه بطينتكم ، ولو ترك ذلك الطين ولم يمزجه بطينتكم ما عملوا أبدا عملا صالحا ، ولا تشهّدوا الشهادتين ، ولا أدّوا إلى أحد أمانته ، ولا فعلوا شيئا من الواجبات ، ولا اجتنبوا شيئا من المحرمات ، ثم مزج الطينتين بالماء الأول والثاني ، فما تراه من شيعتنا ومحبّينا من زنا ، ولواط ، وخيانة ، وشرب للخمر ، وترك للصلاة ، وبقية الواجبات ، فهي كلّها من عدوّنا الناصب وسنخه ومزاجه الذي مزج بطينته ، وما تراه من الناصب من الزهد والعبادة والمواظبة على أعمال الخير والواجبات ، فذلك كلّه من طينة المؤمن ، فإذا عرضت الأعمال على اللّه سبحانه يقول اللّه عز وجل : أنا عدل لا أجور ، ومنصف لا أظلم ، وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب وطينته ، هذه الأعمال الصالحات كلها من طينة المؤمن ، والأعمال الرديئة التي أتى بها المؤمن تلحق الناصب ؛ لأنها من طينته ، وكل شيء يرجع إلى أصله وجوهره ، ثم تلا قوله تعالى : مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ، ومضى الإمام - كما يزعم الراوي - يقرّب هذا المعنى ، ويستدل عليه بآيات من القرآن في حديث طويل ، لا يعنينا منه أكثر من هذا المقدار ، ورواه في الكافي أيضا بهذا النص . وهذه الرواية تخالف نصوص القرآن الكريم الذي حمّل كل إنسان سيئات أعماله ، وفي الوقت ذاته تدل على أن جميع ما يأتيه الإنسان من خير أو شر إنما ( هو ) من لوازم الطينة التي خلق منها ، وليس له اختيار في شيء من أموره ، هذا بالإضافة إلى أن الرواة بين مجهول الحال وبين متّهم في عقيدته والكذب على الأئمة عليهم السّلام .

--> ( 1 ) - المصدر نفسه : 172 - 173 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 173 - 175 .