حيدر حب الله
54
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
أو السهو أو التصحيف أو . . . تنفتح كلّما زادت الوسائط تلقائيا ، وهذا أمر واضح ، وحيث إنّ أغلب الروايات الشيعية منقولة عن الصادقين عليهما السّلام أي الباقر ( 114 ه ) والصادق ( 148 ه ) فإن وسائط النقل حتّى زمن الغيبة تغدو قليلة مقارنة بالفترات اللاحقة . وهذا يعني أنّه من الخطأ قياس حالنا على حالهم دائما ، كما هو الخطأ الذي وقع فيه غير دارس لهذا الموضوع ، فإنّ تقلّص الوسائط يلعب دورا في حصول حالة العلم العادي أو الظنّ الاطمئناني كما يسمّونه . ثانيا : إنّ ظاهرة اليقين في تلك الآونة ينبغي عدم قياسها على حالنا اليوم ، إذ ثمّة ما يرشد إلى أنّ المتقدّمين كان يحصل لهم يقين حتّى من رواية واحدة بمجرّد موافقتها للكتاب أو غيره مع عدم معارض ، ولكي نبعد هذا الاستغراب عن القارئ نؤكّد له أنّ هنالك أنموذجين دالّين هما : 1 - التيار الأخباري ، فمهما كان موقفنا من هذا التيار ، إلّا أنّه كان يذهب فريق أساسي فيه ، وهم من كبار العلماء المعاصرين لزمن الانسداد إن صحّ التعبير ، إلى القول بيقينيّة الكتب الأربعة « 1 » ، بل ذهب بعضهم إلى القول بقطعية صدور الروايات المودعة في المصادر المعتبرة ولو كانت من غير الكتب الأربعة على ما سيأتي بحثه مفصّلا إن شاء اللّه تعالى . إنّ ظاهرة اليقين والقطع التي آمن بها التيار الأخباري ، تلغي كل استبعاد في أن تكون الروايات قطعيّة الصدور لدى أصحاب الأئمة عليهم السّلام ، فإذا كان العلماء الذين عاشوا فيما بين القرن العاشر والثالث عشر الهجريين - بل إلى يومنا هذا - آخذين بمبدإ القطعيّة واليقينيّة هذا ، فكيف نستبعد أن يكون فقهاء وعلماء عصر الحضور عاملين بالأخبار من باب إفادتها اليقين ؟ ! ومهما كان موقفنا من موضوعية هذا اليقين الأخباري أو منطقيته أو من تسمية الأسترآبادي ( 1036 ه ) له باليقين العادي ، فإن نفس وجوده يكفينا ، حتى لو اعتبرناه غير منطقي من الناحية المعياريّة ، فلا يصحّ لنا أن نحاكم الآخرين على طرائق تفكيرنا ، إذ سرعة اليقين وبطء حصوله أمران يختلفان بين الناس ، بل وحتّى بين العلماء اختلافا فاحشا ، ومن ثمّ يجب تقبّل المقولة التي تجعل بالإمكان حصول اليقين لشخص من مقدّمة يستبعد جدا حصوله منها لآخر ، ما دامت الإمكانات متوفّرة والشواهد قائمة ، والتيار الأخباري خير عيّنة دالّة على إمكان ذلك .
--> ( 1 ) - الكتب الأربعة هي : الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني ( 329 ه ) ، وكتاب من لا يحضره الفقيه لمحمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمّي المعروف بالصدوق ( 381 ه ) ، وتهذيب الأحكام ، والاستبصار فيما اختلف من الأخبار كلاهما للشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( 460 ه ) .