حيدر حب الله
44
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
في القرن الرابع الهجري ، وولد المنهج الاستدلاليّ مع الطوسي في أواسط القرن الخامس الهجري ، فإن سؤالا يلحّ عن طبيعة المنهج الذي كان سائدا قبل القرن الثالث الهجري ، أي زمن الحضور ؟ ! لكن الجواب محدّد ، وهو أنّ العلوم النقليّة الشيعيّة كانت نفس كتب الروايات عادة ، فقد كانت المصنّفات مجموعة الروايات المنقولة بالمباشرة أو غيرها عن أهل البيت عليهم السّلام ، ومن ثم فقد كان يذكر أنّها روايات ، غاية ما في الأمر أنّه كان يوضع لها عناوين أو ما شابه ذلك ، والممارسة الاجتهاديّة إنّما كانت تتبدّى إمّا في سياق الجدل الفكريّ في الموضوعات ذات الإشكاليّة أو الخلاف أو في بعض المصنّفات المحدودة التي كانت توضح ذلك ، وربما كان انتقاء النصوص بنفسه نتاج عملية اجتهادية مسبقة ، فيما كان المعروض نصّا خالصا . وبهذا تبدو الصورة أمامنا بالانجلاء شيئا فشيئا ، فإنّ العلوم النقليّة ، لم تبلغ اجتهاداتها مرحلة التدوين النظري أو التنظير الفكري المعمّق ، لقد كانت النصوص حاضرة بقوّة ، وكان الجهد الاجتهادي أقلّ حضورا وفعالية . لكنّ الصورة ربما تختلف بعض الشيء على صعيد العلوم العقلية كعلم الكلام ، إذ نلاحظ من نصوص المناظرات التي كانت تقع بين متكلّمي الشيعة ومتكلّمي الفرق الإسلاميّة الأخرى أنّ الفعل العقلي كان هو المسيطر ، علاوة على أنّ طبيعة الموضوعات كانت تستدعي ذلك كالقضاء والقدر والاستطاعة والأرزاق والآجال و . . وهذا معناه - طبيعة - انقساما في الوعي الشيعي إلى مدرستين تتمايزان في المناهج والوظائف والآليات ، مدرسة الكلام التي كانت مجبرة على استخدام مناهج العقل أكثر من النص بحكم طبيعة الماهية الدفاعية السجاليّة التي دخل في سياقها علم الكلام الإسلاميّ عموما ، ومدرسة الحديث التي كانت تمثّل - قبل ابن بابويه - اتجاه العلوم النقليّة ، لا سيما منها الفقه وما يتّصل به ، وقد مثلت مدينة قم مركز المدرسة الأولى فيما مثلث مدينة بغداد مركز الثانية وفق ما هو المعروف « 1 » . وكان من الطبيعي أن تمتاز المدرستان يوما فيوما ، فيغلب الطابع العقلي مدرسة الكلام ، فيما يغلب الطابع النقلي مدرسة الفقه والحديث ، وهذا ما كوّن مدرستين من أكبر مدارس الفكر عند الشيعة ، وكان لانقسامهما دور كبير في نظرية السنّة وخبر الواحد كما سيأتي لاحقا .
--> ( 1 ) - مسألة انقسام الشيعة إلى هذين الفريقين أمر ذكره العديد من الباحثين نذكر على سبيل المثال : يوسف شاخت ، أصول الفقه : 94 - 95 ؛ ومدرّسي طباطبائي ، زمين در فقه إسلامي 1 : 45 - 53 : ومجمل مصنّفي تاريخ الفقه الشيعي كأبي القاسم كرجي ومحمد مهدي الآصفي وعبد الهادي الفضلي وغيرهم .