حيدر حب الله

420

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

ولعلّ الشيخ محمد رضا المظفر ( 1388 ه ) هو أوّل عالم شيعي يفرد للسيرة بحثا مستقلا في كتابه الأصولي الدراسي « أصول الفقه » « 1 » ، أي أن عقودا بسيطة تفصلنا عن بداية إفراد هذه المقولة بالدرس والتمحيص ، لكن بمقدورنا القول بضرس قاطع : إن السيد محمد باقر الصدر كان أبرز وأهمّ عالم شيعي درس هذه المقولة على نطاق موسع وجادّ في مختلف نتاجاته الأصولية ، ولهذا تعدّ صيغة نظرية السيرة عنده أهم وأوضح وأدق صيغة شيعية وصلتنا حتى اليوم ، رغم أنّه استقى كثيرا من مفرداته من مطاوي الدراسات الفقهية والأصولية الموروثة ، والملفت أن الدرس الأصولي بعد الصدر لم يواصل - إلا في نطاق محدود - دراسة نظرية السيرة وتحليل بناءاتها بالشكل المطلوب ، رغم وجود فرص عالية لذلك . ويمكننا هنا أن نزعم أن ظهور مقولة السيرة عبّر عن المنزع العقلاني في الفكر الشيعي ، وهذا التنامي النظري والعملي لها يعبر عن مديات تأثير الاتجاه العقلي الأصولي ، لكن الفرق بين السيرة والنزعة العقلية التي تحدّثنا عنها سابقا في الانسداد وغيره ، أن تلك كانت تعبر عن منحى تجريدي في التعامل مع ظاهرة الاجتهاد ، منحى أقرب إلى الفلسفة الأرسطية منه إلى الدرس العقلي الجديد ، أما نظرية السيرة فتعبر عن تصاعد عقلاني ممتاز في الوعي الشيعي متأثر بالنزعة العقلية لكنه في الوقت عينه غير غارق فيها ، وهذا هو الفرق بين مقولتي : العقلي والعقلاني أو العقلاني من بعض الوجوه . يبقى أن نشير إلى أن مقولة السيرة ساعدت العقل الشيعي كثيرا ، سيما في موضعين : الأول : مباحث المعاملات في الفقه ، إذ استند الفقهاء كثيرا إلى السيرة ، أكثر بكثير من باب العبادات الذي يغلب عليه الطابع التوقيفي التعبدي . الثاني : مباحث الحجج في أصول الفقه ، ومنها حجية الآحاد ، كما سنلاحظ عما قريب إن شاء اللّه تعالى . تفكيك مقولتي السيرة العقلانية والمتشرعية أما ما هو معنى السيرتين : العقلائية والمتشرعية ؟ يقصد بالسيرة العقلائية الممارسة أو الجري أو الفعل أو البناء أو التباني أو الارتكاز الذي صدر أو يقوم به العقلاء بوصفهم عقلاء ، بعيدا عن أيّ خصوصية دينية أو عرقية أو لغوية أو عرفية خاصة أو مناطقية أو . . . فكل عرف عقلائي يمارسه العقلاء ،

--> ( 1 ) - محمد رضا المظفر ، أصول الفقه 2 : 159 - 164 .