حيدر حب الله
419
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
الأنصاري في سياق تصاعدي ، حتى بلغت مع أبي القاسم الخوئي ( 1413 ه ) مبلغا عاليا ، وذلك عندما نسف الأخير مقولات الشهرة الفتوائية ، ونظريتي الجبر والوهن اللتين سنتحدّث عنهما قريبا إن شاء اللّه تعالى . كان هذا الانهيار المصحوب بمناخ ظني شهدته الحقبة الأصولية بعد الأخباريين مفضيا إلى أزمات ، لكن العقل الشيعي استطاع الخروج من المأزق كلّه ، بإعادة ترتيب أوراقه ، ومن بينها ابتكار أو تفعيل نظرية السيرة . يرى محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) أن الدوافع الكامنة خلف ظهور مقولة السيرة في العقل الشيعي هي دوافع نفسية بالدرجة الأولى ، أي أن عملية الاستعاضة كانت تنطلق من الذهول أمام انهيار أركان الأدلّة ، ومن ثم فالبقاء مع نصّ الكتاب والسنة فحسب ، يمكنه أن يجرّ الفقيه جرّا إلى الخروج بنتائج لم يسبق لها مثيل ، وكان هذا الضغط النفسي هو الذي حرّك العقل لتكوين مقولة السيرة ، لقد كان الإجماع دليلا مريحا للمجتهد كونه يمكّنه من تحصيل نتائج متطابقة مع الموروث ، أما مع إلغاء مثل هذه المقولات ، فإن احتمال الخروج بفقه غير مألوف يغدو واردا جدا ، ولضمان عدم حصول انتكاسة من هذا النوع - وفق تصوّر العقل الفقهي - كانت مقولة السيرة عاملا مساعدا جدا « 1 » . ولتأكيد هذا السياق التاريخي يمكن للباحث رصد المصنفات الشيعية ، إذ سيؤكد له هذا الرصد أن مسألة الاستدلال بالسيرة أو البناء العقلاء أو التباني العقلائي أو الارتكاز العقلائي . . . لم تكن حاضرة في كلمات العلماء الشيعية إلى ما هو أبعد من قرنين ونصف على أقصى تقدير ، إلا نادرا جدا لو كان ، فربما يكون الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( 1227 ه ) أوّل من استخدم هذه المقولة استخداما عابرا في دراساته الفقهية « 2 » ، ثم لحقه بعد ذلك النجفي صاحب الجواهر « 3 » ، ورغم تنامي حضورها مع الأنصاري ( 1281 ه ) ثم الخراساني ( 1329 ه ) ثم الأجيال اللاحقة إلا أن علماء أصول الفقه الشيعي لم يفردوا بحثا لها إطلاقا في دراساتهم الأصولية ، مما يؤكّد أو يعزّز حداثة الفكرة وجدة المقولة ، مع عدم وجود تنشيط لها في الدراسات الأخرى .
--> ( 1 ) - الصدر ، مباحث الأصول 2 : 93 - 97 ؛ وبحوث في علم الأصول 4 : 233 . ( 2 ) - راجع : كشف الغطاء ( حجري ) 1 : 27 ، 31 ، 32 ، 41 ، 56 ، 71 ، 113 ، 218 ، 244 ، 251 ، 263 ، وج 2 : 311 ، 377 و . . . ( 3 ) - يذهب صاحب الجواهر إلى كون دليل السيرة أقوى من الإجماع ، فراجع له : جواهر الكلام 22 : 128 ، وانظر أيضا : المصدر نفسه 1 : 10 ، 32 ، 90 ، و 2 : 53 ، 92 ، 288 ، 298 ، 317 ، و 3 : 47 ، و 4 : 45 ، 46 ، 341 و 22 : 181 ، وغيرها كثير يطول المقام بذكره . . وراجع حول التمسك بالسيرة ، النراقي ، مستند الشيعة 17 : 138 ، 303 .