حيدر حب الله

384

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

تتبع في وجودها وعدمها علم المكلف ، فإذا علم بها كانت موجودة ، وإذا لم يعلم بها لم تكن ، وقد برهن الإمامية في علمي الكلام والأصول على بطلان التصويب بأشكاله الخفيفة والمشدّدة ، فيما عرف بينهم بالتصويبين الأشعري والمعتزلي . إذن ، فنظرية الأنصاري لم تحلّ المشكل حتى الآن « 1 » . النظرية السادسة : نظرية المصلحة في الجعل وهي النظرية التي تنسب عادة إلى السيد الخوئي ( 1413 ه ) ، لكن هذه النظرية تمثل منه جوابا عن معضل التضاد ، دون أن تعني أنه يراها - لوحدها - الحلّ النهائي . وعلى أية حال ، يرى الخوئي أن الأحكام الشرعية إذا أرادت أن تبتلي بالتضاد فلا يتصوّر هذا التضاد إلا في واحد من ثلاث أشياء هي : 1 - التضاد في نفسها ، ويرى الخوئي أن الأحكام هنا غير متضادة ؛ لأنها ليست سوى اعتبار ، والاعتبار سهل المئونة ، فكما يمكن أن اعتبر شيئا في ذمة زيد يمكن أن اعتبر نقيضه ، إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية الاعتبار نفسه ، إذ بإمكان أي إنسان أن يعتبر النقيضين مجتمعين ، رغم استحالة اجتماعهما واقعا . 2 - التضاد في مبادئ الحكم ، أي المصلحة التي أنتجته على تقدير كونه وجوبا مثلا ، والمفسدة كذلك على تقدير كونه حرمة « 2 » ، وفي هذه المرحلة وإن كان التضاد حقيقة واقعة ، إلا أنه لا وجود له ما بين الحكم الظاهري والواقعي ، وسبب ذلك - عند الخوئي - أن مصلحة الحكم الظاهري لا تكون في متعلّقه بل في نفس جعله ، ومعنى هذا الكلام أن المصلحة في الحكم الظاهري لا تحكي عن وجود شيء فيما تعلّقت به الرواية ، فلو دلت الرواية الظنية على وجوب الظهر يوم الجمعة لم يكن هذا الحكم هنا منطلقا من وجود مصلحة في صلاة الظهر في هذا اليوم ، بل المصلحة في نفس جعل الحجية للخبر المؤدي إلى

--> ( 1 ) - النائيني ، فوائد الأصول 3 : 100 - 101 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 100 ؛ وانظر : الإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 237 . ( 2 ) - يذهب مشهور الإمامية في علمي الكلام والأصول إلى أن الأحكام الشرعية الواقعية تتبع - في تشريعها - ما تحويه متعلّقاتها من مصالح ومفاسد ، بمعنى أن اللّه سبحانه ينظر إلى الصلاة فيراها فعلا حاويا على مصلحة ، فيأمر بها ، فإذا كانت المصلحة شديدة وكبيرة جعل أمره على نحو الوجوب ، وإذا كانت أقلّ من ذلك جعله على نحو الاستحباب ، وإذا نظر إلى الكذب رآه ذا مفسدة ، فهنا يصدر نهيه عنه ، فإن كانت مفسدة الكذب عظيمة جدا ، كان نهيه على نحو التحريم ، وإذا كانت أقلّ من ذلك كان نهيه على نحو الكراهة ، أما المباح بالمعنى الأخص ، أي غير الواجب والحرام والمستحب والمكروه ، فقد يخضع لتشريع وقد لا يخضع ، وعندهم بحث فيه ، من هنا يؤسّس الشيعة نظرية أن الأحكام برمّتها تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلّقات ، أي ما تعلّقت به من صلاة وكذب و . . .