حيدر حب الله

382

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

قوّة احتمال الكشف وإصابة الواقع ، فقد يقدّم مفاد خبر الواحد ، ويعطيه الحجية لوجود قوّة احتمالية فيه تجعله على مقربة من إصابة الواقع ، وبهذا لا يشرّع المولى بالحجج والأمارات أحكاما ، بل يحافظ على أحكامه الواقعية ، بحسب ما يتوفر له من السبل . وبعبارة ثانية ، يريد المولى أن يحفظ أغراضه في تشريعاته ويحقق أعلى ضمان في تطبيق العباد لها ، وليس أمامه من سبيل - بعد فقد اليقين - إلا أن ينظر في السبل المعرفية غير اليقينية ، وعند ذاك سيرى أمثال خبر الواحد ، وبعد أن يرصده ، سيلاحظ أنّ فيه قوّة احتمال لكي يصيب الواقع ، ويجعل العباد على اطلاع على الحكم الشرعي ، من هنا يصدر المولى تشريعه بإعطاء الحجية للظن الناتج عن أخبار الآحاد مثلا ، بعد أن يرى أنه بذلك سوف يجعل عددا كبيرا من الأحكام في متناول العباد ، إذ لا يمكن - مع قوّة الاحتمال الموجودة في الآحاد - أن تكون خاطئة كلّها ، بل ثمّة عدد كبير منها سوف يصيب الواقع ، فبإعطاء الحجية لها سيضمن المولى المشرّع توصّل العباد إلى مجموعة كبيرة من أحكامه عبر سبيل ظني . أمّا إذا فقد المشرّع هذا السبيل الظني في حالات عديدة ، فإنه ينظر - كما قلنا - إلى أغراضه ، فلعلّه يأمر بالاحتياط عند كلّ شك ، ولعلّه لا يأمر ، فالاحتياط يضمن له تحقيق أحكامه الإلزامية ، من واجبات ومحرّمات ، لكنه يضيق الفسحة على العباد ، إذا أرادوا ممارسة احتياط وسيع الدائرة ، فإما أن يتخلّى المولى عن فسحة العباد هذه ، أو ما يسمّونه بحالة إطلاق العنان لهم ، فيأمر بالاحتياط ، أو يهمّه أمرها لأن وجودها ضروري لسلامة مجمل نظام تشريعاته في المحصّلة النهائية ، فيشرّع البراءة ، وأنه لا يؤاخذ من لا علم له بالحكم ولا سبيل ظني معتبر عنده . وبهذا يخرج الصدر بالاستنتاج التالي : كل حجية جعلت باعتبار قوّة الاحتمال يكون مركزها من قسم الأمارات ، وكل حجية جعلت باعتبار قوّة المحتمل ( ترخيص - إلزام ) ، فيكون مركزها من قسم الأصول العملية ، وثمة تفريعات عدّة هنا ، حيث يحلّ الصدر مجموعة معضلات في البحث الأصولي طبقا لنظريته الخاصة هذه « 1 » .

--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 201 - 206 ؛ ومباحث الأصول 2 : 49 - 63 ؛ ودروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 1 : 28 - 31 ؛ ولم أعثر - في حدود اطلاعي - على نقد لهذه النظرية بهذه الصيغة في دراسات شخصيات فكرية من الدرجة الأولى ، لحداثتها من جانب الصدر من جهة ، وعدم وجود تداول واسع للفكر الأصولي للصدر في الحوزات العلمية الشيعية الإيرانية أو بالأحرى غير العربية ، إلا في الفترة المتأخرة جدا على مستوى المراحل الحوزوية الأولى .