حيدر حب الله

38

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

وهذا الجدل الواسع كان يقوده علماء كبار من الشيعة من أمثال مؤمن الطاق ، وهشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان وغيرهم « 1 » ، وهو ما يلازم - عادة - ممارسات عقليّة اجتهادية تأويلية بالغة الكثرة ، ومن ثم فالاجتهاد في العقليات وفي تأويل النص كان ظاهرة بلغت أوجها في القرنين الثاني والثالث الهجريّين ، مما يضع بنية تحتية ويخلق مناخا موائما يتقبّل ظهور الاجتهاد الشيعي في الفقه وغيره أيضا عصر الحضور ، بمعنى أن الخلفيات الفكرية عند الشيعة في مجال الكلام وتأويل النصوص الراجعة للإمامة وغيرها ، تساعد على ظهور اجتهاد فقهي وتنسجم أكثر من عدم الظهور ، ومن ثمّ تكون عنصرا موائما لتبلور مدرسة الاجتهاد في العقل الشيعي . رابعا : إنّ طبيعة الظواهر تستدعي - منطقيّا - ولادة الاجتهاد في التاريخ الشيعي عصر الحضور ، لا بعده ، فظاهرة اختلاف الأحاديث وتعارضها لم تكن ظاهرة عابرة في الثقافة الشيعية بل كانت كبيرة وعظيمة ، الأمر الذي يعني أنّ علماء الشيعة في ذلك العصر كانوا يواجهون واقعا حيا ، ومن طبيعة الأشياء أن تكون لهم حلولهم إزاء هذا الواقع الضاغط ، وهذه لا شك أنّها تشكّل جزءا من نظريّة أصوليّة وفعل اجتهادي في العلوم العقليّة والنقليّة على السواء . وممّا يؤكّد أنّها لم تكن ظاهرة عابرة نصوص تعود لتلك الفترة أو ما يقاربها ، حيث تكشف هذه النصوص عن تسبّب ظاهرة التعارض في تحيّر بعض الشيعة ، بل ورجالات هذا المذهب ، وهذا التحيّر المفضي أحيانا إلى التخلّي عن المذهب الإمامي كاشف صادق عن عمق حساسية ظاهرة التعارض ، مما يعني - أكيدا - أن تفكيرا ما قد بذل للخروج من هذه الأزمة ، سواء اعتبرنا سببها ظاهرة التقية كما يقول بعض الأخباريين - كما سيأتي - أو ظاهرة الدسّ والتحريف والوضع في الروايات أو هما معا لا فرق . ومن هذه النصوص / الوثائق ، نصّ دال للشيخ أبي الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمّي ( 329 ه ) والد الشيخ الصدوق ( 381 ه ) في كتابه « الإمامة والتبصرة من الحيرة » ، حيث يقول : « ورأيت كثيرا ممّن صحّ عقده ، وثبتت على دين اللّه وطأته ، وظهرت في اللّه خشيته ، قد أحادته الغيبة ( غيبة الإمام الثاني عشر ) ، وطال عليه الأمد حتّى دخلته الوحشة ، وأفكرته [ وأنكرته ] الأخبار المختلفة ، والآثار الواردة . . . » « 2 » .

--> ( 1 ) - حول معركة الآراء الكلاميّة الشيعية انظر : حسين مدرّسي طباطبائي ، تطوّر المباني الفكريّة للتشيّع في القرون الثلاثة الأولى . ( 2 ) - الصدوق الأوّل ، الإمامة والتبصرة من الحيرة : 9 ، وتجدر الإشارة إلى وجود جدل في صحّة نسبة الكتاب الذي بين أيدينا للصدوق الأوّل ، لكنّ هذا غير مهم لنا ما دام الكتاب يكشف عن صدوره في القرون الأولى ، سوا كان مصنّفه الصدوق الأوّل أو شخص آخر .