حيدر حب الله

378

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

النظرية الثانية : نظرية العلمية والطريقية اشتهرت هذه النظرية معلما من المعالم الميزة لمدرسة الميرزا محمد حسين النائيني ( 1355 ه ) ، وقد كان لها دور كبير وتطبيقات واسعة عند هذه المدرسة في مختلف ثنايا أصول الفقه مع تطبيقاته الفقهية . وتعني نظرية الطريقية التي تهدف شرعنة الاعتماد على الظن في الدين ، والتي يعبّر عنها بنظرية العلمية والكاشفية ، وقد تسمّى بنظرية متمّم الكشف . . تعني أن السبل الظنية فيها درجة عالية من احتمال إصابة الواقع ، أي أنك عندما تحصل على خبر واحد ، فإن احتمال إصابة مفاد هذا الخبر للحقيقة التشريعية يساوي مثلا السبعين في المائة ، والشيء الذي تفتقده هو الثلاثون في المائة الباقية ، والتي لو انضمت إلى السبعين لحصل عندك يقين أو ما نسميه الكشف التام ، فالسبعون بحاجة إلى ثلاثين لكي يتمّ كشفها ، والذي يحصل عندما يعطي اللّه سبحانه القيمة والحجية للطريق الظني - كخبر الواحد ذي السبعين في المائة من قوّة الاحتمال - أنه يعتبر الثلاثين الناقصة كأنها موجودة ، وهذا الاعتبار لا يغيّر من واقع الأمر شيئا ، أي أنه لا يجعل الظن يقينا حقيقة وفي نفس العبد وقرارة ذاته ، بل يبقى الظن ظنا ، غايته أن الذي حصل إضافة اعتبار تشريعي جعلي مصطنع ، بحيث ينزّل المولى السبعين في المائة منزلة المائة في المائة ، أي يعتبر الظن الناتج عن خبر الواحد يقينا ، أي يتمّم كشفه ، لكن لا حقيقة ، وإنما اعتبارا وتعبدا وجعلا وتنزيلا و . . . ما شئت فعبّر « 1 » . وبهذا يحصل عندنا نوعان من اليقين ومن العلم : أحدهما : العلم أو اليقين الوجداني الحقيقي ، وهو الذي يقع في نفس الإنسان تامّ الكشف واقعا ، ودرجته الاحتمالية الحقيقية هي المائة في المائة ، وثانيهما : العلم أو اليقين التعبدي أو الاعتباري أو الجعلي ، وهو الذي يكون ظنا في واقعه ، غير أنه يعتبر - تشريعا - بمثابة اليقين ، وتترتب عليه آثار اليقين ، ويتعامل معه - تشريعا وقانونا - معاملة اليقين . ولهذا سمّيت هذه النظرية عندهم بمسلك جعل العلمية والطريقية والكاشفية ؛ لأنها تجعل العلم جعلا ، وتعتبره اعتباره ، وتتمّم الكشف قانونا ، لا حقيقة ولا واقعا . وبهذه النظرية افترضت مدرسة النائيني أنها حلّت المعضلات السابقة مما أثاره ابن قبة وغيره ، فاللّه لم يجعل حكما ثانيا عندما اعتبر خبر الواحد حجة حتى نقول : إنه

--> ( 1 ) - يجب أن أشير إلى وجود تدقيقات بالغة في أصول الفقه الشيعي في عالم المصطلح ، فالاعتبار والتنزيل وما شابه ذلك مصطلحات يوجد فروق بينها ، لكننا لا نريد الخوض في تعقيدات تشوّش ذهن القارئ ، فليلحظ ذلك جيدا .