حيدر حب الله

372

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

للحجية مفهوم أصولي لا منطقي ، أي أنه ينتمي إلى دائرة العقل العملي في العذر وتحميل المسؤولية ، لا إلى دائرة العقل النظري في اكتشاف الحقيقة ، ولهذا كانت الحجية في دائرة العقل النظري منتمية إلى علم المنطق ، أي الوسيلة والمعبر المنطقي الذي يبلغ يقينا موضوعيا بالواقع ، بعيدا عن مفاهيم العلاقة بين العبد ومولاه « 1 » . 2 - الحكم الظاهري والواقعي : يقصد بالحكم الواقعي في الاصطلاح الأصولي الشيعي ذاك الحكم الإلهي الحقيقي الذي أصدره المولى واقعا ، ودوّن في اللوح المحفوظ كما يقال ، سواء عرفه الناس أم لم يعرفوه ، وهذا الحكم قد تصيبه اجتهاداتنا وقد تخطئه ، ولهذا كانت الإمامية من المخطئة لا المصوّبة . أما الحكم الظاهري فثمة تعدّد في استعمالاته ، لكن المعنى المبسّط له هو الحكم الذي يجعله المولى على الناس حينما لا يعرفون الحكم الواقعي ، فاللّه سبحانه حرّم - مثلا - شرب النبيذ واقعا ، لكن زيدا من الناس بعد البحث والفحص لم يصل إلى هذا التحريم ، ففي هذه الحالة ثمة مبدأ مستقى - لا أقلّ على بعض النظريات الأصولية - من قوله تعالى : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء : 15 ، ألا وهو مبدأ البراءة الشرعية ، ويعني هذا المبدأ الإلهي أن الناس لا تؤاخذ ولا تعذب على حكم شرعي تركت العمل به ، إذا كانت جاهلة به ، بعد ما فحصت عنه ولم تعثر عليه في المصادر الدينية بحسب ما أوتيت من اجتهاد . هذا المبدأ الذي نسميه بأصالة البراءة يعطينا حكما ظاهريا ، فتكون النتيجة أنه يمكن أن أتناول النبيذ ما دمت جاهلا بحرمة شربه . إذن ، فأحد الفروق الرئيسية بين الحكم الواقعي والظاهري أن الأول لا يفترض في حالة الشك بالواقع ، فيما يفترض وجود الثاني عندما يشك الإنسان بالواقع ولا يبلغه أو يناله « 2 » . والنظريات التي سوف نستعرضها - باختصار - عما قريب تسعى للتوفيق بين الحكم الظاهري والواقعي ، أي التوفيق - عمليا - بين حرمة شرب النبيذ واقعا وجواز شربه ظاهرا ؛ إذ معضلات ابن قبة تركّزت على هذا الاختلاف بين الحكمين . 3 - الأمارات والأصول : ثمة جدل أصولي مركّز حول الفوارق الأساسية بين هذين المصطلحين ، لكننا سوف نقدّم التفسير الشائع البسيط غير المعقد لهما .

--> ( 1 ) - راجع حول الحجية : الإمام الخميني ، أنوار الهداية 1 : 206 ، وتهذيب الأصول 2 : 401 ؛ والأصفهاني ، نهاية الدراية 3 : 125 - 129 ؛ والصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 27 ؛ والمظفر ، أصول الفقه 2 : 18 - 19 ؛ والخوئي ، الهداية في الأصول 3 : 8 - 9 ؛ وصنقور علي ، المعجم الأصول : 449 - 451 ، 501 - 503 . ( 2 ) - راجع : الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 18 ، والحلقة الثالثة 1 : 21 ، وغيرها .