حيدر حب الله

365

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

مدخل إلى أشكال تطوّر نظريّة السنّة في العصر الحديث اتسمت الحقبة الأخبارية بسيادة مفهوم اليقين في الاجتهاد الديني ، تأسيسا على السنّة المحكية ، فمن اليقين بالسند إلى أكثر من يقين بالدلالة ، تكوّن اجتهاد ديني داخل نسق يقيني ، مع تخفيف في درجة اليقينية كما تقدّم . وقد شاهدنا في الفصل السابق كيف حمل الأصوليون على مشروع اليقين الأخباري ، فحشدوا على مختلف الأصعدة كلّ ما أمكنهم أو كان في عدّتهم مما يسقط يقينية السنّة ، كانت المعركة شديدة ، لكنها ما انتهت إلا عن تشكيل واقع جديد بالغ الأهمية . فبعد أن انتصر الأصولي على الأخباري استيقظ من هول المعركة على ركام من الظنون ، لقد صاغت المعركة العقل الأصولي بمعايير الشك ، لكن الشك لم يذهب بالأصولي حدّ الإفلاس واللاأبالية ، إنما تمظهر عنده على شكل ظنون ، رأى أنها غطت الكثير من مساحات عمله في الاجتهاد الديني . انجلت الغبرة وبيد الأصولي عدد من الظن ، حمولة فرضت نفسها على اجتهاده حتى عصرنا الحاضر ، وظهرت اتجاهات مختلفة اختلافا نسبيا بين الأصوليين أنفسهم في درجة اليقين في الدين ، وكم هي نسبتها ؟ شيء يشبه ما حصل في الغرب ، لكن بطريقة مختلفة ، حتى بدت رسالة الاجتهاد والأخبار للبهبهاني ( 1205 ه ) أهمّ رسالة في تأسيس مدرسة الظن ، بل لقد أعلنها صراحة في الرسالة نفسها بأن غالب طرق معرفة الأحكام في زماننا ظنية « 1 » . كان هذا هو الخط الأوّل لتحوّل دراسة موضوعة السنّة منذ الوحيد البهبهاني تقريبا وحتى العصر الحاضر ، صارت السنّة المحكية في أغلبها جزءا من الظن ، أي أنها غدت تلقائيا محكومة للنظام الفكري الذي أعاد الأصولي إنتاجه في موضوعة الظن بشكل عام ، كان صدور الأحاديث من جهة ودلالات النصوص القرآنية والحديثية من جهة أخرى ، أي : الصدور والظهور ، أهم معلمين من معالم الظن في الاجتهاد الديني عند الأصولي ، وفي

--> ( 1 ) - البهبهاني ، الرسائل الأصولية : 28 ، وفيها رسالة الاجتهاد والأخبار ؛ وله أيضا : الفوائد الحائرية : 118 - 125 ؛ وقد ذكر باقر الصدر في اقتصادنا : 417 ، أن الأحكام اليقينية قد لا تتجاوز اليوم الخمسة في المائة مما نجده في الموروث الفقهي كلّه .