حيدر حب الله
359
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ذلك مطلقا ، ليتبنّى أن المقصود بالمخالفة مخالفة روح القرآن ومحتواها العام ، حتّى لو لم تكن المخالفة بنحو التباين الكلّي ، ويمثّل الصدر لذلك بالروايات التي ذكرت أنّ الأكراد قوم من الجنّ ، حيث يراها مخالفة للكتاب الكريم في حديثه عن تكريم بني آدم وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا « 1 » . وهذا المعنى الجديد ينبع من قراءة عامّة للقرآن وفهم مقاصدي يتجاوز آليات المنهج التجزيئي في الاجتهاد ، وقد تبع الصدر فيه جماعة آخرون « 2 » . وهذه النظريّة تعزّز - برأينا - قوّة النصّ القرآني ، إذ تسمع له بالإطاحة بعدد أكبر من النصوص الحديثية ، وهو تطوّر ملفت في إعادة تكوين مرجعيّة النص القرآني ، وسنأتي على ذكرها في الفصل الخامس ، بإذن اللّه تعالى . تكوين الصورة التاريخيّة من خلال ما أسلفناه يتضح ما يلي : أوّلا : لم تكن فكرة ظواهر القرآن مسرحا للجدل في الوسط الشيعي ، وإن كان لها درجة محدودة من الحضور ، إلى زمن المحدّث الأسترآبادي ، وقد ظهرت في عصره ، إلى أن قضى عليها - وعلى الأخباريّة - الوحيد البهبهاني وكاشف الغطاء ، وغدت اليوم - نظريا - فكرة شبه مهجورة . ثانيا : كوّن المحدّث الأسترآبادي نظرية « السنّة فقط » بمداخل عقلانية نصيّة معا ، وسرعان ما كانت مساهمة الكركي والحرّ تحوّلا في الاتجاه نحو مرتكزات نصيّة غالبا ، وكانت هذه المرتكزات تسيطر نهائيا ، لولا نقد التوني والوحيد . ثالثا : ساهم الحرّ في الردّ الواسع على مقولات الأصوليين ، فيما شكّل الفيض الكاشاني اختراقا واضحا في الجبهة الأخباريّة ، رغم أنّه ألقى بفكرة التحريف ، التي دخلت - فيما بعد - مجال نقد الظهورات القرآنية . رابعا : نجح المحدّث البحراني في رتق الفتق الذي أحدثه الفيض ، ليمثّل منحى أخباريا خالصا ، بعيدا عن التحالف غير المعلن الذي قام بين الأخبارية والصوفية عصر الصفويّة ، ورغم ذلك ، كما ورغم الجهود الأخبارية للبحراني ، شكل البحراني بداية التراجع نتيجة عناصر أخلاقية وعلمية وظروف خارجية تمثلت في ضعف الدولة الصفويّة . خامسا : من جملة تحليلاتنا السابقة نتأكّد من أن الأخبارية لم تكن ذات موقف
--> ( 1 ) - محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 7 : 333 - 335 . ( 2 ) - على سبيل المثال : علي السيستاني ، الرافد في علم الأصول 1 : 11 - 12 .