حيدر حب الله
329
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
جانب الجدارة التي أبداها الوحيد البهبهاني « 1 » - كما سنلاحظ - في ردّ مقولة الأخباريين ، وضعف الدولة الصفويّة . . . عوامل ثلاثة أخلاقية ، معرفية ، خارجية أدّت إلى انحسار الأخبارية على يد البحراني أو في عصره . ويبدو أن التيار الأخباري - كأكثر تيارات النص في الفكر الديني - تعاطى بقسوة مع تيار العقل والعقلانية الذي تمثّل بالفلاسفة وعلماء أصول الفقه ، مما قارب بين تياري الفلسفة والأصول ليبلغ هذا التقارب أوجه مع الشيخ محمد حسين الأصفهاني الكمپاني ( 1361 ه ) ، وكان الإفراط في حدّة الصراع سببا دفع البحراني - ذا النزعة الأخلاقية - إلى التنحّي ، وكان تنحّيه - وهو في العمق العراقي آنذاك ( كربلاء ) حيث الحوزات الشيعية الكبرى - سببا في ضربة قاصمة مني بها هذا التيار . لكن هذا لا يعني أنّ البحراني لم يكن أخباريا صلدا في أفكاره ، بل جمعت أفكاره عصارة الأطروحات الأخبارية ، مع تعديلات سبق أن رصدناها في بحث « يقينيّة السنة » ، وفي موضوع مرجعية السنّة فقط ومرجعية القرآن كانت للبحراني إسهامات عدّة نوجزها : أولا : التقف البحراني ( 1186 ه ) - ومن قبله الأخباري نعمة اللّه الجزائري ( 1112 ه ) « 2 » - مقولة الفيض الكاشاني في التحريف ، فذهب بها حتى النهاية ، مطوّرا هذه المرّة من تداعياتها ، فقد ذهب في الدرّة التاسعة والستّين من « الدرر النجفية » إلى القول بتحريف القرآن ، مستدلا على ذلك بعدّة أدلة « 3 » ، لكنه لما واجه ذلك الإشكال التقليدي الذي أثاره من قبل الكاشاني نفسه ، من أن نتيجة هذا القول عدم العمل بالقرآن ، أجاب عنه البحراني : بأننا لا ندّعي التحريف بالزيادة ، بل بمثل النقيصة ، وحيث إننا مأمورون بالرجوع إلى القرآن فنلزم بالرجوع إليه حتى مع نقصه ، وليس ثمة إشكاليّة في ذلك ، ذلك أننا نرجع إلى السنّة رغم ما فيها من نواقص ، حيث لم تصلنا نصوص السنّة كلّها ، فحيث لا مشكلة هناك ، لا مشكلة هنا تلقائيا « 4 » .
--> ( 1 ) - يذكر المؤرّخ المعاصر جودت القزويني أنّ البهبهاني كان في بداية أمره أخباريا ثم صار أصوليا ، ولعلّ لهذا دورا في قوّة نقده على الأخباريين لمعرفته بأنماط تفكيرهم ، انظر : دائرة المعارف الإسلامية الشيعية 2 : 231 ؛ لكنّ ردّة فعل الوحيد البهبهاني لا تبدو لنا منطقيّة في جميع خطواتها ، فتشدّده في حضور تلامذته دروس يوسف البحراني ، أو منع الصلاة خلفهم أو غير ذلك ، خطوات يبدو لنا فيها بعض القمع والظلم مهما حاول البعض أن يلمّعها ، كما جاء في حركة الاجتهاد عند الشيعة الإماميّة لعدنان فرحان : 449 . ( 2 ) - نعمة اللّه الجزائري ، نور البراهين 1 : 526 - 532 ؛ ومنبع الحياة : 66 - 72 . ( 3 ) - يوسف البحراني ، الدرر النجفية 4 : 66 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 67 - 70 ؛ وقد أقرّ الأصوليون لاحقا بأن مبدأ التحريف لا يهدم - بالضرورة - ظهور الكتاب ، فراجع - على سبيل المثال - : الخوئي ، دراسات في علم الأصول 3 : 132 ؛ والإيرواني ، الأصول في علم الأصول 2 : 252 ؛ وأبو الحسن الأصفهاني ، وسيلة الوصول : 484 .