حيدر حب الله
298
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
سندرس هذه المرّة الظاهرة الأخبارية فقط من زاوية موقفها من مرجعية النص القرآني ونصّ السنّة ، بعد أن فرغنا عن تحديد موقفها المبدئي من السنّة الشريفة ، ونحاول تحليل تطوّر المفهوم الأخباري لهذه المقولة التي نادي بها الأخباريّون دوما ، عنيت « مقولة السنّة وحدها لا غير » « 1 » ، كما نحاول رصد التفاعلات التي أعقبت انطلاق مقولة « السنّة فقط » ، فيما عرف بعد ذلك بالصراع الأخباري الأصولي على هذه الجبهة ، لنحدّد - في النهاية - الخاتمة التي بلغها الفكر الشيعي بعد حراك فكري زاخر بالمعطيات الثرّة دام قرنين من الزمن ، وبحسب رأينا : ما يزال . وإنّما نقول : لا يزال ، لأنّ الأخبارية وإن انحسرت اليوم انحسارا كبيرا جدّا ، ولم يعد لها من وجود رسمي نافذ إلا في أماكن محدودة مثل بعض بلاد البحرين والقطيف والأحساء وجنوب العراق وخراسان . . . إلا أنّ انهيار مدرسة قد يسمح ببقاء عناصر فكريّة متسرّبة منها إلى المدارس الأخرى التي ما تزال حيّة إلى اليوم ، بما فيها المدرسة النقيضة - إن صحّ التعبير - للمدرسة الأخبارية ، أي مدرسة علم أصول الفقه ، وهذا التسرّب ربما لا يكون مدروسا ، كما ربما لا يأتي من اتجاهات أخبارية ، وإنّما من مناخات تنسجم بطبيعتها مع الإطار المعرفي الأخباري العام ، الذي سبق وأن أشرنا إلى بعض معالمه في هذا الفصل . ولا يراد هنا تحويل الأخبارية إلى فزّاعة ، فهي في قناعتنا تيار ناهض وجريء وأصيل في الوقت عينه ، لكن إعادة بعث روح المقولات الأخباريّة بأجسام جديدة وهياكل حديثة ، يضع الباحث أمام تحدّ جاد ، يفرض عليه إعادة قراءة التجربة الأخبارية ، لما لذلك من ضرورة في رسم منهاجيات التعامل مع الواقع المعاصر . ولا نهدف بذلك تصفية حساب مع الواقع عبر نقد التراث ، كما وقع فيه غير باحث معاصر ، وإنّما لمس الخيوط الجذرية والأسباب العميقة التي كوّنت العقل الأخباري لرصد
--> ( 1 ) - تقوم مقولة السنّة وحدها لا غير في العقل الأخباري على ركنين : أحدهما إيجابي وهو مبدأ يقينيّة السنّة ، وثانيهما سلبي ، وهو إسقاط مرجعيات العقل والإجماع والكتاب ، وإنما خصّصنا بحثنا في مرجعيّة الكتاب ، لأنّه المرجعيّة النصيّة الوحيدة غير السنّة ، فاقتضى رصدها في التصوّر الأخباري ، دون الإجماع والعقل لخروجهما عن إطار البحث ، سيما وأنّ سقوط مرجعية القرآن متّصل عضويا - بشكل أكبر - بمرجعية السنّة ، إذ حصر الأخباريّون فهم القرآن بالسنّة .