حيدر حب الله

275

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

أولا : إن التوجّه العام بعد العلامة قد سار نحو نقد الأحاديث ، فتعرّضت الأسانيد لعصف بليغ بها ، بل يعبّر بعض الباحثين المعاصرين بالقول : « بقي الكافي على رأس الكتب الأربعة بنظر المتقدّمين من الفقهاء إلى أواخر القرن السابع الهجري الذي ظهر فيه العلامة الحلّي ، ومن الطبيعي بدأت تلك الثقة للكافي تتضاءل على مرور الزمن ، ولا يخفى ما للعلامة الحلّي من دور يذكر في تصنيف الحديث ، حيث انفتح باب التشكيك في تلك المرويات على مصراعيه ، فصنّف الحديث إلى أصنافه الأربعة ، وعرض مرويات الكافي وغيره على أصول علم الدراية وقواعده ، فما كان منها مستوفيا للشروط المقرّرة ، أقرّوا العمل به والاعتماد عليه ، وما لم يستوف الشروط المطلوبة ردّوه ورفضوه » « 1 » . وإذا كانت الأولويّة لإعادة النظر في الأحاديث وفق معايير جديدة ، لا أقلّ في بعضها أو في بعض مستويات تطبيقها ، فمن الطبيعي أن يتراجع وضع الحديث من حيث الاهتمام تراجعا نسبيا . ثانيا : إنّ تطوّر الفقه التفريعي بشكل مذهل مع العلامة في « المختلف » ، وتطوّر الفقه المقارن معه في « التذكرة » ، كان من الطبيعي أن يولّد اهتماما بالبحث الفقهي والمتابعة الاجتهادية يفوق الاهتمام بإعادة ترتيب الحديث وما شابه ذلك ، ومن هنا يلاحظ في تلك الفترة تضخّم المؤلّفات الاجتهادية كما هو الحال مع « الروضة البهيّة » و « مسالك الأفهام » للشهيد الثاني ( 965 ه ) ، و « مدارك الأحكام » للسيد العاملي ( 1009 ه ) ، و « مجمع الفائدة والبرهان » للمحقق الأردبيلي ( 993 ه ) ، و « الدروس » و « ذكرى الشيعة » للشهيد الأوّل ( 786 ه ) . . إلى غيرها من المصنّفات الاجتهادية الموسّعة التي تجاوزت في سعة أبحاثها « مبسوط » الشيخ الطوسي ( 460 ه ) و « سرائر » ابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) ، و « كشف الرموز » للمحقق الآبي ( ق 7 ه ) ، و « شرائع الإسلام » و « المعتبر » للمحقّق الحلّي ( 676 ه ) و . . لكنّ الأمر اختلف مع المدرسة الأخباريّة ، حيث حصل تحوّل جذري في رسم الأولويّات ، فبعد أن سقط العقل والكتاب والإجماع ، وحورب علم الأصول والدراية وما يتصل بالتلاقح الشيعي السنّي . . تركّزت الجهود ناحية إعادة الاعتبار للحديث والرواية ، فبعد التأسيس النظري لأولويّة السنّة المحكية عبر البنائين السالفة الإشارة إليهما ، عنيت قطعية الكتب الأربعة وبطلان التقسيم الجديد للحديث ، انشغلت المدرسة الأخباريّة بتنشيط ميداني لحركة الحديث والرواية ، فظهرت خطوات هامّة على هذا الصعيد أبرزها :

--> ( 1 ) - الدكتور حسين الحاج حسن ، نقد الحديث في علم الرواية وعلم الدراية 2 : 113 ؛ وانظر : السيد هاشم معروف الحسني ، دراسات في الحديث والمحدّثين : 138 .