حيدر حب الله
254
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
ينبع من اللاوعي المعرفي والنفسي ، وإلّا فمردّه إلى ذلك الإطار المعرفي الذي ركّزنا عليه فيما سبق ليس إلّا ، فإنك إذا قلت لهذا المستدل : وما المانع من ذلك ؟ لربما وجدته يعيد تكرار الدليل الأوّل أو ما يتواشج معه معرفيا ، وسيأتي مزيد كلام حول ذلك . رابعا : إن قدماء فقهاء الشيعة - كما يقول الوحيد البهبهاني ( 1205 ه ) وغيره - ما كان يرضى الواحد منهم بتمام روايات الآخر ، حتّى لو كان أستاذه أو شيخه ، بل ما كانوا يعتمدون إلّا على أحاديثهم الخاصّة ، ويكثرون الطعن في أحاديث غيرهم ، فإذا كان هذا هو حال القدماء فما الذي يجدر أن تكون عليه حال المتأخّرين « 1 » ؟ بل إنّ تأليف الطوسي والصدوق كتب الأخبار شاهد على عدم اعتدادهم النهائي بكتاب الكافي « 2 » ، بل لقد وصف الطوسي بعض رواياته بالضعف تارة والشذوذ أخرى « 3 » . وبهذا يحمل البهبهاني على هذه المدرسة في شدة أخذها بالروايات بالقول : يعتقدون بعصمة الراوي حتّى لو كانت روايته تدلّ على عدم عصمة المعصوم ! « 4 » ، وبهذه الملاحظة يدخل البهبهاني في السياق العقلاني لفهم التراث وإسقاط القداسة المطلقة والعصمة العاصمة عنه ، فيغدو الرواة قابلين للخطإ والالتباس ، بل والكذب والدسّ والافتراء . لكن الكركيّ يحاول التخلّص من مسألة نقد القدماء لروايات بعضهم البعض بالقول : إن التضعيف نسبي ، أي هم يرون وجود رواية معارضة أصحّ لهذا يضعّفون الأولى « 5 » ، وهو افتراض إذا صحّ أحيانا فلا دليل على صحّته في كثير من الأحيان . خامسا : إن جلّ أخبار الكتب الأربعة - كما يقول الوحيد - لا يسلم من اختلال سندي أو متني أو غيرهما ، فكيف يكون هناك يقين بتمام روايات هذه الكتب « 6 » ؟ ! وهذه
--> ( 1 ) - الوحيد البهبهاني ، الفوائد الحائرية : 395 - 396 ؛ وجعفر كاشف الغطاء ، الحق المبين : 33 ، 35 ؛ وله أيضا : كشف الغطاء 1 : 220 ؛ ومحسن الأعرجي الكاظمي ، شرح مقدّمة الحدائق ، الورقة رقم : 7 ؛ وعبد النبي الكاظمي ، تكملة الرجال 1 : 3 - 4 ؛ والميرزا موسى التبريزي ، أوثق الوسائل : 130 ، 133 - 134 ؛ والملا علي كني ، توضيح المقال : 63 ؛ والشهرستاني ، غاية المسؤول : 406 ؛ ومحمد سند ، بحوث في مباني علم الرجال : 23 - 26 . ( 2 ) - مرتضى العسكري ، معالم المدرستين 3 : 356 . ( 3 ) - أحمد العلوي العاملي ، مناهج الأخبار في شرح الاستبصار 1 : 6 . ( 4 ) - الوحيد البهبهاني ، الفوائد الحائريّة : 396 ؛ وانظر له حول تضعيف القدماء روايات أنفسهم وبعضهم البعض الرسائل الأصولية : 156 - 159 ، 175 - 176 . ( 5 ) - الكركي ، هداية الأبرار : 20 - 21 . ( 6 ) - الوحيد البهبهاني ، الفوائد الحائريّة : 395 ؛ وله أيضا : الرسائل الأصوليّة : 44 - 49 ، 193 ؛ وراجع : الملا علي كني ، توضيح المقال : 59 ؛ ومحمد صادق بحر العلوم ، المقدّمة لتكملة الرجال للكاظمي 1 : 27 ؛ والكاظمي نفسه في التكملة 1 : 25 - 27 .