حيدر حب الله

242

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

المؤلّفات عليهم ، ثم التابعون لهم تبعوهم في طريقتهم ، واستمرّ هذا المعنى إلى زمن الأئمة الثلاثة [ الكليني والصدوق والطوسي ] » « 1 » . وتزداد هذه الصيغة عمقا وانفعاليّة مع المحدّث البحراني ( 1186 ه ) في الحدائق حيث يقول : « . . إنّ هذه الأحاديث التي بأيدينا ، إنّما وصلت إلينا بعد أن سهرت العيون في تصحيحها وذابت الأبدان في تنقيحها ، وقطعوا في تحصيلها من معادنها البلدان ، وهجروا في تنقيتها الأولاد والنسوان ، كما لا يخفى على من تتبّع السير والأخبار ، وطالع الكتب المدوّنة في تلك الآثار ، فإنّ المستفاد منها - على وجه لا يزاحمه الريب ولا يداخله القدح والعيب - أنه كان دأب قدماء أصحابنا المعاصرين لهم عليهم السّلام إلى وقت المحمّدين الثلاثة في مدّة تزيد على ثلاثمائة سنة ضبط الأحاديث وتدوينها في مجالس الأئمة عليهم السّلام ، والمسارعة إلى إثبات ما يسمعونه خوفا من تطرّق السهو والنسيان ، وعرض ذلك عليهم ، وقد صنّفوا تلك الأصول الأربعمائة المنقولة كلّها من أجوبتهم عليهم السّلام ، وأنّهم ما كانوا يستحلّون رواية ما لم يجزموا بصحّته . . . وكانوا عليهم السّلام يوقفون شيعتهم على أحوال أولئك الكذّابين ، ويأمرونهم بمجانبتهم ، وعرض ما يرد من جهتهم على الكتاب العزيز والسنّة النبويّة ، وترك ما خالفهما » « 2 » . ولكي نحلّل هذا الدليل الذي نعتقد أنّه الإطار الايبستمولوجي للتيار الأخباري ، وهو - عادة - الإطار المعرفي للتيارات السلفية والنصيّة ، يجب أن ندرك أن السلف والماضي في الوعي الديني مقدّس دائما ، فالوعي الديني ينتابه عادة اعتقاد أو إحساس بأن قمة التطوّر الإنساني كانت في الماضي وأنّ البشرية تسير نحو الانحدار والتهاوي ، فالعلماء الماضون مقدّسون ، وهم في قمّة التسامي ، والنقد دائما ينصب على الواقع العلمائي الحالي ، والإيمان قديما عارم أما اليوم فمتلاشي ، والفسق محدود سابقا أمّا اليوم فقد عمّ الفساد وازداد ، وهكذا تتسع دائرة المقدّس الإنساني في العقل الديني من نطاق رجالات الدين الأوائل ، أعني الأنبياء وأوصياءهم ، إلى المحيطين بهم فيغدو الصحابي مشمولا للقداسة التي أحاطت النبي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم نفسه ، ويغدو أصحاب الأئمة عليهم السّلام مقدّسون على مقربة من قداسة أشخاص الأئمة عليهم السّلام . هذا الإطار في وعي التاريخ والرجال ، وهذا التعميم لمفهوم المقدّس ، قد يدخل في العقل الديني دائرة النظرية كما حصل مع نظرية عدالة الصحابة في الوسط السنّي ، التي

--> ( 1 ) - الأسترآبادي ، الفوائد المدنيّة : 371 ؛ وله أيضا الحاشية على التهذيب ، مخطوط ، الورقة رقم : 12 . ( 2 ) - يوسف البحراني ، الحدائق الناضرة 1 : 9 - 10 ؛ وراجع هذا الدليل أيضا عند الحر العاملي ، الوسائل 30 : 252 ؛ وهداية الأمّة 8 : 579 ؛ والكركي ، هداية الأبرار : 63 ، 82 - 84 ؛ والفيض الكاشاني ، الوافي 1 : 13 - 14 ؛ والنمازي الشاهرودي ، الأعلام الهادية : 143 - 144 .