حيدر حب الله

192

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بحجية الأخبار الظنية وقد بحثناه هناك ، والثانية منهما مربوطة بمسألتنا هنا ، ومن الواضح أن مجرّد وجود كلمات العدالة أو التصحيح أو الثقة أو غيرها ليس دليلا على أن مفهوم تربيع الأحاديث كان مكوّنا بما يحمله من خصائص وخلافات . وثمة نصّ آخر عثرنا عليه ، يدعم رأي الذاهبين إلى قدم التقسيم ، وهو نصّ صريح من ابن إدريس الحلّي حيث يقول : « ومن العجب أن يخصّص [ أي الطوسي ] العموم في استبصاره بخبر سماعة الذي رواه زرعة ، وهما فطحيّان ، فإن كان يعمل بأخبار الآحاد فلا خلاف بين من يعمل بها أنّ من شرط العمل بذلك أن يكون راوي الخبر عدلا ، والفطحيّ كافر ، فكيف يعمل بخبره ، ويخصّص بخبره العموم المعلوم ؟ ! « 1 » » ، فهذا النص صريح في عدم الخلاف - قديما - عند من يعمل بالآحاد في اشتراط العدالة ، أي عدم حجية الخبر الموثق بل الحسن أيضا ، ونحوه مثله « 2 » . لكنّ هذا النصّ من ابن إدريس عليه ملاحظات : الملاحظة الأولى : إنّ ابن إدريس يجتهد في نفيه الخلاف هذا ، ذلك أنّه في موضع آخر من السرائر ، نسب إلى الشيخ الطوسي اشتراط الإماميّة والعدالة في العدّة ، عندما كان يردّ عليه العمل برواية للسكوني « 3 » ، وهذا معناه أنّه فهم من نصّ العدّة لزوم إماميّة الراوي وعدالته ، مرجحا بداية بحث الطوسي هناك على نهاية بحثه الذي أعلن فيه قبول أخبار غير الإمامية أحيانا لإجماع الطائفة الشيعيّة ، فنفي الحلي الخلاف قائم على هذا الاجتهاد في فهم نظرية الطوسي ، تماما كما اجتهد مثل الخاقاني ( 1334 ه ) وذهب إلى أنّ الشيخ يقصد من العدالة في « العدّة » مطلق الاستقامة ولو لم يكن إماميّا « 4 » ، وقد برهنّا سابقا على عدم صحّة هذا الاجتهاد ، أو لا أقلّ على عدم ترجيحه على غيره ، وقلنا بأنّ الطوسي وإن تحدّث عن العدالة والإماميّة في بداية بحثه لكنه حرف مسار البحث ناحية معيار أخرى ، هو عمل الطائفة الذي يتجاوز مسألة الإماميّة والعدالة . الملاحظة الثانية : إنّ الحلّي في مواضع عديدة مرّت الإشارة سابقا إليها عند الحديث عن موقفه نفسه من أخبار الآحاد . . يعلن مخالفة الطوسي لإجماع الإماميّة في أمر الخبر ، وهذا معناه أنّه يرى القائلين بالخبر ليسوا سوى الطوسي وربما شرذمة ممن حوله ، فنفيه الخلاف هنا ، لا يعني أنّه قد استقرأ مقولات أنصار الخبر الواحد ، بل يبدو أنّه لم يكن أمامه سوى نصوص الشيخ ، والتي أسلفنا الحديث عنها .

--> ( 1 ) - ابن إدريس ، السرائر 2 : 675 - 676 . ( 2 ) - المصدر نفسه 1 : 267 . ( 3 ) - المصدر نفسه 3 : 289 و 290 . ( 4 ) - الخاقاني ، الرجال : 231 .