حيدر حب الله

149

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بغير ذلك وهكذا . والفارق بين هذا المضعّف والمضعّف الثالث هو ادعاء تضارب كلام الطوسي في كتاب العدّة نفسه لا في مجموع كتبه ، وهو الكتاب الذي عليه المعوّل في أخذ إجماع الطوسي « 1 » . وهذه الملاحظة - كمبدإ - لعلّ أوّل من سجّلها على الطوسي فيما وصلنا ، ابن إدريس الحلّي ( 589 ه ) في السرائر ، ناقلا لها أيضا عن الشيخ محمود الحمصي المعاصر له « 2 » ، وهي ملاحظة تستحق الدرس ، وقد تقدّم أن المحقق الحلي فهم من الشيخ قوله بحجية الخبر الذي روي عن الأئمة ودوّنه الأصحاب لا كل خبر إمامي ، على خلاف العلامة الذي فسرّه قولا بحجية خبر الواحد بلا حاجة لقرائن أو تدوين في كتب الأصحاب . وقد حاول السيد البروجردي ( 1380 ه ) أن يذهب إلى أن الشيخ الطوسي لم يكن بصدد بيان الكبرى والقاعدة العامّة ، فقد كانت العمدة عنده حجية خبر الثقة عقلائيا ، وإنما كان بصدد بيان الصغرى وأن كتب أهل السنّة لم تكن هناك ثقة بها بعد كثرة الكذب فيها ، فلكي يحقّق الطوسي صغرى الوثاقة شرط كون الرواية في كتبنا ، لا أنه ضيّق من حجية خبر مطلق الثقة إلى خصوص المسطور في مدوّنات الإمامية « 3 » ، ومن هنا قوّى البروجردي تفسير العلامة لكلام الشيخ دون المحقّق « 4 » . وبهذا التفسير يتبدّد شبح التهافت المدّعى بعد كون كلام الطوسي صغرويا ، وإلّا فالكبرى واحدة عنده وهو المطلوب . إلّا أن هذه المحاولة - رغم اعتقادنا بصحّة ما جاء فيها من عدم ثقة الإمامية بما جاء في مصادر الحديث السنيّة المعروفة كما هو الحال في العكس - لا يوجد أيّ شاهد عليها من كلام الطوسي ، على صعيد أصل النظرية ، ومن ثم تحتاج إلى شواهد موثوقة تدعمها ، وإلّا فسوف تبقى مجرّد احتمال ، لا يلغي التنافي الموجود في عبارة الطوسي ، بعد كون ظاهر عبارته تأصيل الكبريات الأصولية لا تحقيق الصغريات والموارد . إنّ مجرّد افتراض شيء ما مستكنّ خلف نصّ الطوسي ، لا يجعلنا ملزمين به إذا لم نستطع توفير شواهد عليه ، وما نحن فيه من هذا النوع ، فإذا كان الطوسي يصرّح بضرورة الإمامية في الراوي ناسبا ذلك إلى الإجماع ، ثم يجيز - وللإجماع أيضا - الاعتماد

--> ( 1 ) - لم يتهم الطوسي بالتضارب في مواقفه هنا فحسب ، بل اتهم بذلك في علم الرجال أيضا ، فراجع - على سبيل المثال - : الكلباسي ، سماء المقال 1 : 158 - 168 . ( 2 ) - ابن إدريس الحلّي ، السرائر 3 : 290 - 291 . ( 3 ) - البروجردي ، نهاية الأصول : 524 - 526 . ( 4 ) - المصدر نفسه : 524 .